في ظل التصعيد المستمر للوضع الإنساني في قطاع غزة، يكشف التقرير الأخير للجنة الدولية للصليب الأحمر عن صورة قاتمة لانهيار شبه تام للنظام الصحي في القطاع، ويعكس مدى خطورة تداعيات العمليات المرتبطة بتوزيع المساعدات الإنسانية، والتي أصبحت تشكل بحد ذاتها مصدراً لحوادث جماعية متكررة تفوق قدرة أي بنية صحية متدهورة على الاستيعاب والتعامل معها.
فوضى أمنية وإنسانية
تُعد الزيادة «غير المسبوقة» في الإصابات الناجمة عن عمليات إطلاق نار بالقرب من مراكز توزيع المساعدات التي تديرها مؤسسة “غزة الإنسانية” مؤشراً خطيراً على عمق الفوضى الأمنية والإنسانية. هذه المؤسسة، التي بدأت عملها بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل، تعمل خارج منظومة التنسيق الأممية، وهو ما يعزز مناخ الارتباك واللا تنسيق بين الجهات الفاعلة، ويضعف من شفافية وآليات الإغاثة. الأمر يتجاوز توزيع الغذاء إلى خلق مشاهد يومية من الحشود العشوائية والاشتباكات الدامية، والتي تؤدي إلى سقوط مئات القتلى والجرحى.
ويشير إعلان الصليب الأحمر أن المستشفى الميداني التابع له في جنوب غزة عالج أكثر من 2200 جريح منذ أواخر مايو، إلى مدى التصاعد الحاد في الأزمات الصحية، مقارنة بكامل الحصيلة السنوية السابقة. ليس هذا فحسب، بل إن مشاركة جميع العاملين – بمن فيهم المعالجون الفيزيائيون، وعمال النظافة، والقابلات – في عمليات الإسعاف الطارئة، يؤكد بوضوح حالة الانهيار المؤسسي وغياب الموارد والكوادر التخصصية في ظل شح الإمدادات.
تضارب أرقام الضحايا
تضارب أرقام الضحايا
أما تصريح الجيش الإسرائيلي حول إطلاق النار على “مشتبه بهم”، فيطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية جوهرية، لا سيما أن هذه العمليات تتم في محيط مدني مزدحم ينتظر فيه الجوعى الحصول على الغذاء. وتضارب أرقام الضحايا بين ما تقدمه مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (أكثر من 500 قتيل) ووزارة الصحة في غزة (758 قتيلاً)، لا يخفف من فداحة الكارثة بل يؤكد أن المشهد ضبابي وخارج السيطرة.
من جهة أخرى، فإن تدهور النظام الصحي لا يقتصر على عدد الجرحى فحسب، بل يمتد إلى توقف المرافق الصحية تدريجياً، كما حدث مع إغلاق عيادة الزيتون التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، نتيجة القصف. ومع خروج 18 عيادة طبية عن الخدمة، تصبح فرص الحصول على رعاية صحية، حتى الأساسية منها كالتطعيمات، شبه مستحيلة، ما ينذر بكارثة صحية تمتد آثارها على المدى الطويل، خاصة على الفئات الأكثر ضعفاً.






