تعيش إسرائيل تحت ضغط متصاعد بعد اعتراف كندا وبريطانيا وأستراليا بدولة فلسطين، وما يُثار عن موجة أوسع يقودها التحالف الفرنسي–السعودي في الأمم المتحدة. أمام هذا التحول، يسعى نتنياهو إلى صياغة رد “مدوٍّ” يعيد زمام المبادرة، فطرح خيار الضم الجزئي كخطوة رمزية قد تُرضي اليمين المتشدد في حكومته وتبعث رسالة تحدٍ إلى المجتمع الدولي.
لكن هذا الطرح يضع تل أبيب في مأزق، إذ أن أي ضم – حتى لو اقتصر على غور الأردن أو تحويل المنطقة “ب” إلى وضع “ج” – سيُعتبر تصعيداً مباشراً، ويهدد بنسف ما تبقى من شرعية إسرائيلية في الساحة الدولية.
الموقف الأميركي وحدود الدعم
نتنياهو يلمّح إلى أن أي خطوة قادمة تحتاج دعماً أميركياً، لكن الإدارة الأميركية لم تُمنح هذا الغطاء بعد. واشنطن، رغم تحالفها الوثيق مع إسرائيل، تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية متصاعدة لوقف الحرب في غزة، ما يجعلها حذرة من الانخراط في خطوات إضافية تثير غضب العواصم العربية والأوروبية.
وبذلك يتحول خيار الضم إلى ورقة مساومة أكثر من كونه خطة جاهزة للتنفيذ، حيث يحاول نتنياهو استخدامه للضغط على الأميركيين: إمّا توفير غطاء سياسي، أو مواجهة ردود فعل إسرائيلية قد تُعقّد صورة واشنطن في المنطقة.
الخليج ومعادلة التطبيع
أبرز ما يكبّل إسرائيل هو الموقف السعودي. فالتقارير تشير إلى أن الرياض أوصلت عبر قنوات سرية رسالة حازمة برفض أي ضم، محذّرة من تداعياته على مشاريع التطبيع. الإمارات من جانبها هدّدت بشكل مباشر بأن هذه الخطوة ستقوّض “اتفاقيات أبراهام”، التي تعتبر أحد أهم أوراق التفاهم بين إسرائيل والغرب.
بالتالي، تجد حكومة نتنياهو نفسها بين مطرقة اليمين المتشدد وسندان الحاجة إلى إبقاء بوابة التطبيع مفتوحة، خاصة في ظل الحرب المستمرة على غزة وما خلّفته من عزلة دبلوماسية متزايدة.
أدوات العقاب الدبلوماسي
إسرائيل لم تكتفِ بطرح الضم كخيار، بل درست سلسلة من العقوبات ضد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، مثل إلغاء التأشيرات لدبلوماسييها أو إغلاق قنصلياتها في رام الله، وفي مقدمتها القنصلية الفرنسية. هذه الإجراءات تحمل بعداً رمزياً أكثر من عملي، لكنها تكشف عن عقلية تصعيدية ترى في الرد الدبلوماسي وسيلة لحرف الأنظار عن مأزق غزة.
قراءة في الأبعاد الاستراتيجية
-
الضم الجزئي لن يغير واقع الاحتلال على الأرض، لكنه سيضاعف عزلة إسرائيل، ويُعطي زخماً إضافياً لحملة الاعترافات الدولية.
-
أي خطوة إسرائيلية في هذا الاتجاه ستضع السعودية والإمارات أمام خيار صعب: إما التراجع عن مسار التطبيع، أو مواجهة انتقادات داخلية وإقليمية حادة.
-
داخلياً، قد يعزز الضم تماسك اليمين حول نتنياهو مؤقتاً، لكنه سيُعمّق الشرخ مع المعارضة، التي ترى في هذه الخطوات مغامرة قد تكلف إسرائيل خسائر استراتيجية طويلة المدى.
جدلية الرد الإسرائيلي: مبادرة دفاعية أم انتحار سياسي؟
اللافت أن نتنياهو يتحدث بلهجة غامضة، أشبه بتهديدات إعلامية موجهة للداخل الإسرائيلي أكثر من كونها خطة عمل قابلة للتنفيذ. السؤال الجوهري هنا: هل يستطيع فعلاً المضي في الضم دون غطاء أميركي، ودون انفجار مسار التطبيع الخليجي؟
الإجابة الأقرب هي أن الضم الجزئي مجرد مناورة سياسية تهدف إلى امتصاص الضغوط الداخلية وإشغال الرأي العام، لكنه يحمل في طياته خطراً حقيقياً بأن يتحول إلى انتحار استراتيجي إذا أُقدم عليه في لحظة عزلة دولية، خصوصاً في ظل وجود حرب مستمرة في غزة وموجة اعترافات متسارعة بدولة فلسطين.






