بعد أكثر من شهرين على الانتخابات التشريعية، لا يزال المشهد السياسي العراقي عالقاً في دائرة الانسداد، مع تعطّل البرلمان عن أداء استحقاقاته الدستورية، وفشل القوى السياسية في التوصل إلى تسوية تفتح الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة، في ظل تمسك زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بترشحه لرئاسة الوزراء، واستمرار الخلافات الكردية حول منصب رئاسة الجمهورية.
هل ينحسب المالكي؟
ورغم تداول أنباء عن احتمال انسحاب المالكي لصالح مرشح بديل من داخل ائتلافه، نفى «دولة القانون» هذه التكهنات، مؤكداً أن موقفه لم يتغير، في وقت لا تزال فيه «العقدة الكردية» تعرقل انتخاب رئيس الجمهورية، المنصب المخصص عرفاً للكرد منذ عام 2005، وسط تنافس محتدم بين «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني».
وكان البرلمان العراقي قد دعا، في مناسبات عدة، إلى عقد جلسات مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، إلا أن جميعها فشل بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، المحدد بحضور ثلثي الأعضاء البالغ عددهم 329 نائباً، ففي أولى الجلسات لم يتجاوز عدد الحضور 85 نائباً، بينما انخفض العدد إلى 75 نائباً في جلسة لاحقة، رغم إدراج انتخاب الرئيس كبند رئيسي على جدول الأعمال.
ويُعد انتخاب رئيس الجمهورية محطة أساسية في المسار الدستوري، إذ يتولى الرئيس المنتخب تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة، ما يجعل استمرار التعطيل سبباً مباشراً في إطالة أمد الفراغ التنفيذي وتعميق حالة الشلل السياسي.
محاولات كسر الانسداد
وفي محاولة لتحريك المياه الراكدة، زار وفد من «الإطار التنسيقي» مدينتي أربيل والسليمانية، وضم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وزعيم منظمة «بدر» هادي العامري، والنائب الأول السابق لرئيس البرلمان محسن المندلاوي، إلا أن هذه الزيارة لم تحقق اختراقاً يُذكر، بل كشفت، وفق مصادر سياسية، عن عمق الخلافات داخل «البيت الكردي» وبين القوى الشيعية نفسها.
وشهد موقف «الحزب الديمقراطي الكردستاني» تحولاً ملحوظاً إزاء ترشيح المالكي، لا سيما بعد تحذير أطلقه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من تداعيات عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة، ما أضاف بُعداً دولياً إلى التعقيدات القائمة.
تصويت حر.. ورسائل سياسية
وفي المقابل، قررت قوى «الإطار التنسيقي» منح نوابها حرية التصويت لأي من المرشحين الكرد لمنصب رئاسة الجمهورية، وهو ما فُسّر في أوساط «الديمقراطي الكردستاني» على أنه يصب عملياً في مصلحة مرشح «الاتحاد الوطني»، خصوصاً في الجولة الثانية من التصويت التي تحتاج إلى أغلبية بسيطة.
ويرى البعض أن غياب التوافق داخل التحالفات الكبرى، وعدم قدرة أي طرف على حسم الأغلبية، يعكسان خللاً في موازين القوى، وينذران بإطالة أمد الأزمة السياسية، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية.
«المالكي باقٍ»
وفي هذا السياق، أكد القيادي في ائتلاف «دولة القانون» ضياء الناصري أن المالكي «لا يعتزم التراجع أو الانسحاب من سباق الترشح»، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «قرار الترشيح بيد الإطار التنسيقي، باعتباره الكتلة النيابية الأكبر».
وأضاف أن الحوارات السياسية لا تزال مستمرة مع مختلف الأطراف، وأن بعضها حقق تقدماً ملموساً، داعياً الحزبين الكرديين إلى التوصل لاتفاق يحسم اسم مرشح رئاسة الجمهورية، محذراً من أن استمرار الخلاف سيترك النواب أمام خيارات فردية وفق ما يرونه مناسباً للمصلحة الوطنية.
مقاطعة إعلامية وتصدعات داخلية
على صعيد موازٍ، قرر ائتلاف «دولة القانون» مقاطعة قناة «العهد» الفضائية، التابعة لحركة «عصائب أهل الحق»، متهماً إياها بالترويج لمواقف معارضة لترشيح المالكي، لا سيما تلك الصادرة عن رئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي.
وتشير المعطيات إلى وجود تحفظات داخل «الإطار التنسيقي» نفسه على منح المالكي ولاية ثالثة، في ظل اعتراضات شخصيات سياسية بارزة، ما يعكس تصدعات داخلية تُضاف إلى تعقيدات المشهد، وتزيد من غموض مستقبل العملية السياسية في العراق.
جدير بالذكر أن الساحة السياسية العراقية تعيش حالة من الجمود منذ إجراء الانتخابات التشريعية الأخيرة، في ظل عجز القوى المتنافسة عن التوصل إلى توافقات تضمن استكمال الاستحقاقات الدستورية، وعلى رأسها انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس جديد للحكومة.
أزمات سياسية متكررة
ويأتي هذا الانسداد امتداداً لأزمات سياسية متكررة شهدها العراق خلال السنوات الماضية، حيث غالباً ما تُعطَّل المؤسسات التشريعية والتنفيذية بسبب الخلافات بين الكتل الكبرى وعدم القدرة على حسم ملف الأغلبية البرلمانية.
ويُعد منصب رئاسة الجمهورية أحد أبرز نقاط الخلاف، كونه مخصصاً عرفاً للأحزاب الكردية منذ عام 2005، إلا أن التنافس المستمر بين «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني» حال دون الاتفاق على مرشح موحد، ما انعكس مباشرة على عمل البرلمان وفشل جلساته المتكررة بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، وأدى إلى تأجيل تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي المقابل، يواجه ملف رئاسة الحكومة تعقيدات إضافية مع تمسك ائتلاف «دولة القانون» بترشيح زعيمه نوري المالكي، في وقت تتباين فيه مواقف القوى السياسية داخل «الإطار التنسيقي» وخارجه بشأن هذا الترشيح، وسط ضغوط داخلية وإقليمية ودولية متزايدة.







