دخلت الأزمة المرتبطة بالتقارير المتداولة حول وجود «قاعدة إسرائيلية سرية» داخل الأراضي العراقية مرحلة جديدة من التصعيد الأمني والسياسي، بعدما أعلنت هيئة «الحشد الشعبي» إطلاق عملية عسكرية واسعة في صحراء النجف وكربلاء تحت اسم «فرض السيادة»، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من التداعيات الأمنية والجدل المتصاعد حول حقيقة ما جرى في المناطق الصحراوية الغربية.
وبحسب بيان رسمي، أكد قائد عمليات الفرات الأوسط في «الحشد الشعبي»، اللواء علي الحمدان، أن العملية العسكرية انطلقت عبر أربعة محاور رئيسية بهدف تأمين الطريق الرابط بين كربلاء ومنطقة النخيب، مشيراً إلى أن التحرك جاء بتوجيه مباشر من القائد العام للقوات المسلحة العراقية وبإشراف رئيس أركان الجيش الفريق أول عبد الأمير يار الله.
وأوضح الحمدان أن القوات المشاركة تضم تشكيلات متعددة من «الحشد الشعبي»، بينها قيادات عمليات الفرات الأوسط وكربلاء والأنبار، إضافة إلى اللواء الثاني، مؤكداً أن القوات بدأت تنفيذ عمليات تمشيط واسعة بعمق يصل إلى 70 كيلومتراً داخل المناطق الصحراوية، وفق خطط عسكرية دقيقة تهدف إلى إحكام السيطرة الميدانية ومنع أي تحركات مشبوهة.
بغداد تنفي وجود قواعد أجنبية
وفي موازاة التحركات العسكرية، سارعت خلية الإعلام الأمني التابعة لقيادة العمليات المشتركة العراقية إلى نفي وجود أي قواعد أو قوات أجنبية غير مصرح بها داخل أراضي العراق، مؤكدة أن ما يُثار في وسائل الإعلام ومواقع التواصل بشأن وجود موقع عسكري إسرائيلي في صحراء كربلاء والنجف «يفتقر إلى الدقة».
وأوضحت الخلية أن أصل القضية يعود إلى حادثة وقعت في الخامس من مارس 2026، حين تحركت قوات أمنية عراقية من قيادتي عمليات كربلاء والنجف للتحقق من تحركات مجهولة في المنطقة الصحراوية، قبل أن تتعرض لاشتباك مع قوات غير مرخص لها كانت مدعومة بطائرات، ما أسفر عن مقتل عنصر أمني وإصابة اثنين آخرين.
وأكد البيان أن القوات العراقية واصلت بعد ذلك عمليات الانتشار والضغط الميداني، الأمر الذي أدى إلى انسحاب تلك القوات المجهولة من المنطقة مستفيدة من غطاء جوي وفر لها الحماية أثناء التحرك.
وشددت قيادة العمليات المشتركة على أن التقارير الميدانية الموثقة لا تثبت وجود أي قواعد أو قوات أجنبية غير مصرح بها حالياً، لافتة إلى أن الجهات الأمنية تواصل تنفيذ عمليات تفتيش ومراقبة دورية في المناطق الصحراوية وحتى الحدود الدولية.
تقارير أميركية تفجر الجدل
وجاءت التحركات العراقية عقب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، تحدث عن إنشاء إسرائيل موقعاً عسكرياً سرياً داخل الصحراء العراقية استخدمته لدعم عملياتها الجوية ضد إيران خلال الحرب الأخيرة.
وبحسب التقرير، فإن المنشأة العسكرية ضمت قوات خاصة إسرائيلية وتحولت إلى مركز لوجستي لسلاح الجو الإسرائيلي قبل اندلاع الحرب، وذلك بعلم الولايات المتحدة، وفقاً لما نقلته الصحيفة عن مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة.
وأشار التقرير إلى أن الموقع استُخدم لتأمين وجود إسرائيلي قريب من ساحة العمليات، إضافة إلى نشر فرق بحث وإنقاذ للتدخل السريع في حال تعرض أي طائرة أو قوة إسرائيلية للخطر أثناء العمليات العسكرية ضد إيران.
كما ذكرت الصحيفة أن القاعدة كادت تُكشف في أوائل مارس الماضي بعدما أبلغ راعٍ العراق عن نشاط عسكري غير معتاد شمل تحليق طائرات مروحية في المنطقة، الأمر الذي دفع القوات العراقية للتحرك نحو الموقع، قبل أن تتعرض لغارات جوية قالت مصادر مطلعة إنها هدفت إلى منع اكتشاف القاعدة.
تضارب الروايات يفتح باب التساؤلات السياسية
ورغم النفي الرسمي العراقي، فإن تداخل الروايات الأمنية والإعلامية أعاد فتح ملف الوجود العسكري الأجنبي داخل العراق، وسط تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة التحركات التي شهدتها الصحراء الغربية خلال الأشهر الأخيرة، ومدى ارتباطها بالصراع الإقليمي المتصاعد بين إيران وإسرائيل.
ويرى مراقبون أن القضية تجاوزت بعدها الأمني لتتحول إلى أزمة سياسية حساسة، خاصة مع اتهامات عراقية سابقة بوجود تدخلات خارجية وانتهاكات للسيادة العراقية، في وقت تسعى فيه بغداد إلى تجنب الانجرار المباشر إلى ساحات المواجهة الإقليمية.
وتزامن ذلك مع تحذيرات أطلقتها قيادات أمنية عراقية من استغلال القضية سياسياً أو إعلامياً، حيث أكدت قيادة العمليات المشتركة أنها ستتخذ إجراءات قانونية بحق الجهات التي تروج لما وصفته بـ«المعلومات المضللة والشائعات المغرضة» التي تمس هيبة الدولة ومؤسساتها الأمنية.
العراق بين ضغوط الإقليم وحسابات السيادة
وتعكس التطورات الأخيرة حجم التحديات التي يواجهها العراق في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع نطاق المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل، خصوصاً أن الأراضي العراقية باتت تمثل ساحة شديدة الحساسية لتقاطع النفوذ الإقليمي والدولي.
ومع استمرار الجدل حول حقيقة «القاعدة الإسرائيلية» وما إذا كانت قد وُجدت بالفعل أو جرى تضخيم الرواية سياسياً، تبدو الحكومة العراقية أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على فرض السيطرة الكاملة على المناطق الصحراوية الشاسعة ومنع استخدامها في أي صراعات إقليمية قد تهدد استقرار البلاد.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى الأنظار موجهة نحو نتائج العمليات الأمنية الجارية في صحراء النجف وكربلاء، وما إذا كانت ستكشف تفاصيل جديدة حول التحركات الغامضة التي أثارت واحدة من أكثر القضايا الأمنية إثارة للجدل داخل العراق خلال الفترة الأخيرة.




