تزايدت اليوم الثلاثاء الاتهامات الموجّهة إلى قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين في مدينة الفاشر، بعد ثلاثة أيام من سيطرتها الكاملة على المدينة الاستراتيجية في شمال دارفور، في تطوّر يصفه مراقبون بأنه الأخطر منذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023.
صور الأقمار الاصطناعية ومقاطع الفيديو التي تحققت منها منظمات مستقلة كشفت عن أنماط متكررة من القتل الجماعي والحرق المنهجي للأحياء المدنية، ما أعاد إلى الأذهان الفظائع التي شهدها الإقليم خلال عقدين من الصراع في دارفور. وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، لا يزال نحو 177 ألف مدني داخل المدينة ومحيطها، بينما فرّ آلاف السكان إلى مدينة طويلة المجاورة، حيث تحدث كثيرون عن «مشاهد إبادة جماعية» وعمليات إعدام ميدانية.
ردود فعل دولية متصاعدة
في أول تعليق رسمي، أدانت وزارة الخارجية السودانية عبر منصة «إكس» ما وصفتها بـ«المشاهد الصادمة التي يوثقها مرتكبوها بفخر ووقاحة»، ونشرت مقاطع فيديو يظهر فيها مقاتل من الدعم السريع يُعرف بسجله في تنفيذ الإعدامات، وهو يطلق النار على مدنيين عُزّل.
من جهتها، نددت المملكة العربية السعودية بما وصفته بـ«الانتهاكات الإنسانية الجسيمة» خلال هجوم قوات الدعم السريع على الفاشر، وأكدت في بيان صادر عن وزارة الخارجية نقلته وكالة الأنباء السعودية (واس) ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية. ويأتي الموقف السعودي في ظل استمرار جولات تفاوض فاشلة في جدة، رعتها الرياض وواشنطن، دون التوصل إلى اتفاق دائم لوقف النار.
سقوط متطوعين وتحذيرات أممية
في موازاة ذلك، أعلن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر مقتل خمسة من متطوعيه في مدينة بارا أثناء توزيعهم مساعدات غذائية، مشيرًا إلى أن ثلاثة آخرين في عداد المفقودين.
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أعرب عن «قلق بالغ إزاء تفاقم الصراع والانتهاكات المروعة» في الفاشر، مشددًا على ضرورة تأمين وصول المساعدات ووقف استهداف المدنيين.
وفي بيان رسمي، ندد غوتيريش بالتقارير الواردة عن انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك القتل خارج نطاق القضاء، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والهجمات ذات الطابع العرقي. كما حذر من أن التدخلات الخارجية في النزاع «تقوّض فرص التوصل إلى تسوية سلمية دائمة».
إدانة أفريقية وتحذير من الانزلاق
رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، وصف ما يجري في الفاشر بأنه «فظائع وجرائم حرب موثقة»، داعيًا إلى وقف فوري للأعمال القتالية وفتح ممرات إنسانية. وأضاف أن «الحل العسكري في السودان لم يعد ممكنًا»، مشددًا على ضرورة العودة إلى عملية سياسية شاملة بمشاركة جميع الأطراف.
وبينما أقرّ الجيش السوداني بانسحابه من المدينة، حذرت الأمم المتحدة من «خطر متزايد لارتكاب فظائع بدوافع إثنية»، في ظل اتهامات متكررة للدعم السريع بارتكاب عمليات تطهير عرقي بحق جماعات الفور والزغاوة والبارتي.
اتهامات بعمليات إعدام جماعي
بيان صادر عن القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش اتهم قوات الدعم السريع بـ«إعدام أكثر من ألفي مدني أعزل» خلال يومين فقط، في الـ26 والـ27 من أكتوبر الجاري، موضحًا أن غالبية الضحايا من النساء والأطفال وكبار السن. صور الأقمار الاصطناعية التي حلّلها مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية أظهرت أجسامًا يُعتقد أنها جثث مدنيين حول مواقع سيطرة الدعم السريع، مع آثار حمراء داكنة على الأرض رجّح الباحثون أنها دماء.
التقرير ذاته تحدث عن «مسار من التطهير العرقي المنهجي» يستهدف المجموعات غير العربية في شمال دارفور، وهي المجموعات ذاتها التي تعرضت لانتهاكات جسيمة على يد ميليشيا الجنجويد مطلع الألفية، والتي تشكّل النواة التاريخية لقوات الدعم السريع.
تحوّل في مسار الحرب
سيطرة الدعم السريع على الفاشر، آخر المدن الكبرى الخارجة عن سيطرتها في دارفور، تمثل منعطفًا حاسمًا في مسار الحرب السودانية التي أودت بحياة عشرات الآلاف ودفعت نحو 12 مليون شخص إلى النزوح داخل البلاد وخارجها.
ويرى مراقبون أن هذا التطور يمنح قوات الدعم السريع تفوقًا ميدانيًا واضحًا في غرب البلاد، لكنه في الوقت نفسه يزيد من احتمالات اتساع رقعة العنف العرقي، ويدفع السودان نحو مرحلة أكثر تعقيدًا من الحرب، عنوانها انهيار مؤسسات الدولة وفقدان السيطرة المركزية على الأقاليم.
المشهد في دارفور اليوم يعيد إلى الأذهان بدايات النزاع في 2003، لكنّ الفارق أن الفظائع الحالية تُوثّق بالصوت والصورة والأقمار الصناعية، فيما يقف المجتمع الدولي أمام واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة في القارة الأفريقية، بلا قدرة حقيقية على الردع أو التدخل الفعّال.






