دخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة من التصعيد العسكري بعد إعلان الجيش الإسرائيلي عبور قواته وآلياته الثقيلة إلى شمال نهر الليطاني، في خطوة اعتُبرت تحولاً ميدانياً خطيراً يعكس تصاعد المواجهة مع «حزب الله»، ويضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة بين التهدئة والانفجار.
وجاء التحرك الإسرائيلي قبل ساعات من انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن، الأمر الذي كشف عن سباق واضح بين المسار السياسي والتطورات العسكرية على الأرض، وسط مخاوف من أن تؤدي العمليات الميدانية إلى تقويض أي فرص للتهدئة.
قوات «غولاني» و«إيغوز» تتوغل شمال الليطاني
وبحسب ما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية، نفذت قوات خاصة من وحدتي «إيغوز» و«غولاني» عمليات عسكرية استمرت عدة أيام داخل مناطق تقع شمال نهر الليطاني، استهدفت مواقع تقول تل أبيب إنها تُستخدم لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة لـ«حزب الله».
وتركزت العمليات العسكرية قرب أطراف بلدة زوطر الشرقية، التي تُعد واحدة من أبرز النقاط الاستراتيجية في جنوب لبنان، نظراً لإشرافها على محاور حيوية تربط بين عدة مناطق شمال النهر.
كما شاركت آليات عسكرية ثقيلة في العملية، في مؤشر على أن التحرك لم يكن مجرد غارة محدودة، بل يحمل أبعاداً ميدانية أوسع ترتبط بإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة الحدودية.
زوطر تتحول إلى عقدة عسكرية حساسة
وبرزت بلدة زوطر خلال الساعات الأخيرة بوصفها نقطة اشتباك مركزية، مع تصاعد التحركات العسكرية الإسرائيلية حولها، بالتزامن مع توسيع إنذارات الإخلاء في بلدات عدة بالجنوب والبقاع الغربي.
وتسعى إسرائيل، وفق تقديرات عسكرية، إلى منع «حزب الله» من استخدام المناطق الواقعة شمال الليطاني لإطلاق المسيّرات أو الصواريخ بعيدة المدى، خصوصاً بعد تزايد فعالية الطائرات المسيّرة في استهداف المواقع العسكرية الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية.
ويرى مراقبون أن التركيز على زوطر يعكس أهمية المنطقة في البنية العملياتية لـ«حزب الله»، باعتبارها تقع ضمن نطاق يُعتقد أنه يمثل جزءاً من خطوط الإمداد والدفاع الخلفية للحزب في لبنان.
مخاوف من إعادة إنتاج «الشريط الحدودي»
وفي قراءة للتطورات الأخيرة، اعتبر العميد اللبناني المتقاعد بسام ياسين أن ما يحدث حالياً يشبه إلى حد بعيد إعادة إنتاج تجربة «الشريط الحدودي» الذي كانت إسرائيل تعتمد عليه سابقاً في جنوب لبنان.
وأوضح أن إسرائيل تحاول فرض نطاق أمني بالنار عبر عمليات توغل محدودة وتمركزات ميدانية مدروسة، من دون الذهاب حتى الآن إلى اجتياح واسع النطاق، نظراً إلى التكلفة العسكرية والبشرية الكبيرة لأي تقدم عميق داخل المناطق التي تُعد خط الدفاع الثاني لـ«حزب الله».
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي يسعى حالياً إلى تحقيق أهداف تكتيكية مرتبطة بتقليص تهديد المسيرات والصواريخ، مع الحفاظ على هامش مناورة يمنع انزلاق المواجهة إلى حرب شاملة.
«حزب الله» بين ضبط الإيقاع والرد
وفي المقابل، يلتزم «حزب الله» حتى الآن سياسة الرد المدروس، مع إبقاء حالة الاستنفار قائمة على طول الجبهة الجنوبية، وسط توقعات بأن يرد الحزب على أي محاولة إسرائيلية لتثبيت وجود دائم شمال الليطاني.
ويرى محللون أن الحزب يحاول تجنب منح إسرائيل ذريعة لشن عملية واسعة، لكنه في الوقت نفسه لن يقبل بتغيير قواعد الاشتباك أو إنشاء منطقة عازلة جديدة داخل الأراضي اللبنانية.
وتشير التقديرات إلى أن الحزب يراهن على استنزاف القوات الإسرائيلية عبر الضغط الميداني المتدرج واستخدام المسيّرات والصواريخ الدقيقة، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة في الوقت الراهن.
المفاوضات في واشنطن تحت ضغط النار
ويأتي هذا التصعيد قبل جولة مفاوضات حساسة تستضيفها واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وسط محاولات أميركية لمنع انهيار الوضع الأمني على الحدود.
لكن التصعيد الميداني الأخير يضع المفاوضات أمام اختبار صعب، إذ يرى مراقبون أن إسرائيل تسعى إلى تحسين شروطها التفاوضية عبر الضغط العسكري، فيما يعتبر الجانب اللبناني أن أي تقدم سياسي يجب أن يترافق مع وقف الانتهاكات والتوغلات العسكرية.
وتخشى أطراف دولية من أن تؤدي العمليات المتبادلة إلى نسف المسار الدبلوماسي بالكامل، خصوصاً مع تزايد التوتر الإقليمي المرتبط بالحرب في غزة والتصعيد بين إيران والولايات المتحدة.
الجنوب اللبناني أمام مرحلة شديدة الحساسية
ومع استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية شمال الليطاني، يبدو جنوب لبنان مقبلاً على مرحلة شديدة التعقيد، في ظل تداخل الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية.
فالتحركات الإسرائيلية الحالية تعكس رغبة واضحة في تحجيم قدرات «حزب الله» الجوية، بينما يسعى الحزب إلى تثبيت معادلة ردع تمنع تل أبيب من فرض واقع أمني جديد على الحدود.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى كل السيناريوهات مطروحة، من استمرار العمليات المحدودة، إلى احتمال توسع المواجهات بشكل أكبر إذا خرجت التطورات الميدانية عن نطاق السيطرة.




