رغم تصاعد التوتر السياسي والعسكري بين الولايات المتحدة وإيران، تكشف وثائق داخلية أميركية عن جانب مختلف من العلاقة بين البلدين، تمثل في تعاون هادئ لتنسيق عودة أكثر من 100 مواطن إيراني من الولايات المتحدة إلى إيران.
وتكشف مراسلات داخلية لمسؤولين في سلطات الهجرة الأميركية، حصلت عليها وكالة أسوشيتد برس ونشرها المجلس الوطني الإيراني الأميركي (NIAC)، أن عمليات الترحيل لم تكن مجرد إجراءات أميركية منفردة، بل جرى تنسيقها مع جهات إيرانية خلال ثلاث رحلات جوية نُظمت في سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول 2025، ثم يناير/كانون الثاني 2026.
تنسيق خلف أبواب مغلقة
تكتسب هذه المعطيات أهميتها من توقيتها، إذ جرت عمليات التنسيق في فترة كانت العلاقات بين واشنطن وطهران تشهد مستويات مرتفعة من التوتر، بما في ذلك خلال الحرب التي استمرت 12 يوما في يونيو/حزيران 2025.
وبحسب الوثائق، لم يؤد إغلاق المجال الجوي الإيراني والصعوبات المرتبطة بالحصول على وثائق السفر إلى إنهاء جهود السلطات الأميركية لإعادة المرحلين. بل استمرت إدارة الهجرة والجمارك الأميركية في البحث عن ترتيبات تسمح بتنفيذ عمليات العودة، في مؤشر على أن ملف الترحيل ظل يحظى بأولوية لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب حتى في ذروة التصعيد مع إيران.
لكن اللافت في هذه العملية لا يتعلق فقط بالتنسيق اللوجستي، وإنما بالدور الذي تشير الوثائق إلى أن ممثلين إيرانيين لعبوه في تحديد بعض الأشخاص الذين شملتهم عمليات الترحيل.
طلبات من السفارة الإيرانية
تظهر إحدى الرسائل، المؤرخة في أغسطس/آب 2025، أن مسؤولا أميركيا أشار إلى إضافة عدة ملفات إلى قوائم المرحلين “بناء على طلب السفارة الإيرانية”.
وتشير مراسلات أخرى إلى وجود طلبات من الجانب الإيراني لتعديل بعض القوائم أو تسريع إجراءات إحالة عدد من الملفات.
وهنا تبرز نقطة حساسة تتجاوز مسألة الترحيل نفسها: إلى أي حد كانت السلطات الإيرانية مشاركة في تحديد الأشخاص الذين ستعيدهم الولايات المتحدة؟
فالترحيل، من الناحية الرسمية، قرار تتخذه الدولة التي تحتجز الشخص. لكن مشاركة طرف حكومي أجنبي في تحديد أسماء أو التأثير في ترتيب ملفات المرحلين تفتح الباب أمام أسئلة قانونية وسياسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص تقدموا بطلبات لجوء أو ادعوا أنهم يخشون العودة إلى بلدهم.
شهادات أمام القضاء
وتزداد حساسية القضية مع ما ورد في إفادات قضائية قدمها 11 مواطنا إيرانيا، قالوا فيها إنهم أُجبروا أثناء احتجازهم في الولايات المتحدة على مقابلة ممثلين عن النظام الإيراني.
وبحسب ما نقلته أسوشيتد برس، قال بعض هؤلاء إن الممثلين الإيرانيين كانوا يمتلكون معلومات تفصيلية بشأن طلبات اللجوء التي سبق أن قدموها إلى السلطات الأميركية.
وتثير هذه الشهادات تساؤلات حول مصدر تلك المعلومات وكيف وصلت إلى ممثلي الحكومة الإيرانية، فضلا عن طبيعة اللقاءات التي جرت أثناء الاحتجاز والجهة التي سمحت بها.
ولا يعني وجود هذه الإفادات، في حد ذاته، ثبوت جميع الادعاءات الواردة فيها، لكنه يضيف بعدا جديدا إلى القضية، لأن المعلومات المتعلقة بطلبات اللجوء عادة ما تكون شديدة الحساسية، وقد يكون الكشف عنها أمام سلطات بلد يخشى طالب اللجوء العودة إليه ذا تبعات مباشرة على سلامته.
مفارقة في السياسة الأميركية
تأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه واشنطن التأكيد على دعم الشعب الإيراني، وفي الوقت نفسه تشدد سياساتها المتعلقة بالهجرة والترحيل.
ويرى جمال عبدي، رئيس المجلس الوطني الإيراني الأميركي، أن الوثائق تكشف مفارقة واضحة بين الخطاب الأميركي الداعم للإيرانيين وبين إعطاء عمليات إعادتهم إلى إيران أولوية عملية.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحا عندما يتعلق الأمر بأشخاص غادروا إيران وطلبوا اللجوء في الولايات المتحدة، ثم وجدوا أنفسهم أمام احتمال إعادتهم إلى البلد الذي قالوا إنهم يخشون العودة إليه.
عندما يتجاوز التعاون حدود الخصومة
لا تكشف هذه القضية بالضرورة عن تقارب سياسي بين واشنطن وطهران، كما أنها لا تعني أن الخلافات الكبرى بين البلدين قد تراجعت.
لكنها تكشف شيئا أكثر تعقيدا عن العلاقات الدولية: حتى الدول التي تخوض مواجهة سياسية وعسكرية مفتوحة قد تجد مساحة للتعاون عندما تتقاطع المصالح في ملف محدد.
فبالنسبة إلى إدارة ترامب، كان ترحيل أشخاص موجودين بصورة غير قانونية أو غير قادرين على البقاء في الولايات المتحدة جزءا من سياسة أوسع تجاه الهجرة. وبالنسبة إلى إيران، فإن استعادة مواطنيها قد تخدم أهدافا مختلفة، من بينها استعادة السيطرة على مسار عودتهم ومنع بقاء بعض الملفات خارج نفوذها.
وهكذا، ظهر التعاون في ملف الترحيل في الوقت الذي كانت فيه العلاقة بين البلدين تمر بأكثر مراحلها توترا.
أسئلة تتجاوز عمليات الترحيل
المسألة الأكثر إثارة للجدل لا تبدو في عدد المرحلين وحده، وإنما في طبيعة العلاقة التي نشأت خلف الكواليس بين سلطات بلدين لا يزالان في حالة صراع.
فإذا كانت السلطات الإيرانية قد شاركت بالفعل في إعداد قوائم المرحلين أو تعديلها، فإن ذلك يطرح أسئلة حول المعايير التي استُخدمت في اختيار الأشخاص، ومدى استقلال عملية الترحيل الأميركية، وما إذا كان طالبو اللجوء قد حصلوا على الضمانات القانونية الكافية قبل إعادتهم.
كما يطرح سؤالا آخر أكثر حساسية: هل يمكن للدول أن تتعاون في تنفيذ عمليات ترحيل جماعية، حتى عندما تكون هوية المرحلين ووضعهم القانوني ومخاوفهم من العودة محل نزاع أمام المحاكم؟
تكشف الوثائق، في النهاية، عن مفارقة لافتة في العلاقة الأميركية الإيرانية. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن وطهران تتبادلان التهديدات وتستعدان لمواجهة عسكرية، كانت مؤسساتهما تتواصل خلف الكواليس بشأن إعادة مواطنين إيرانيين إلى بلادهم.
وفي السياسة الدولية، لا تكون التناقضات دائما دليلا على غياب الصراع، بل قد تكون أحيانا جزءا من طبيعته. فالدول قد تتواجه في ملف، وتتعاون في آخر، بينما يبقى الثمن الحقيقي لهذه الترتيبات محمولا في بعض الحالات على الأشخاص الذين يقفون في منتصف الطريق بين دولتين متخاصمتين.






