أعادت أوامر الإعدام التي أصدرتها محكمة تابعة لجماعة الحوثي في صنعاء بحق 17 شخصاً خلال جلسات خاطفة لم تتجاوز خمسة أيام، الجدل حول طبيعة القضاء في مناطق سيطرة الجماعة ومدى استخدامه كأداة سياسية وأمنية لفرض الهيمنة الداخلية. وفي ظل تدهور الوضع الأمني للجماعة إثر سلسلة من الاختراقات والضربات الإسرائيلية التي طالت قيادات من الصف الأول، تبدو هذه الأحكام جزءاً من حملة أوسع لإعادة ترميم صورة القوة وضبط الشارع، أكثر منها إجراءات قضائية تستند إلى قواعد العدالة.
المحاكمات أداة قمع سياسي وليست مساراً قضائياً
تظهر وقائع المحاكمة، كما رواها الحقوقيون، أن الإجراءات لم تكن تهدف إلى تطبيق العدالة بقدر ما كانت عملية إعدام سياسي عاجلة. فالجلسات الخمس التي وزعت على أسبوعين لم تتح للمحامين الوقت الكافي للاطلاع على الملفات، كما لم يُسمح لهم بتصويرها أو تقديم مرافعات حقيقية، وهو ما يشير إلى غياب جوهري لأبسط مقومات العدالة الجنائية.
إن إصدار أحكام بالإعدام خلال أيام معدودة في قضايا عادة ما تتطلب شهوراً لدراسة الأدلة، يكشف عن طابع استعراضي يهدف إلى إرسال رسالة داخلية أكثر من حرص الجماعة على الفصل في “قضايا أمن الدولة”. وقد عزز ذلك توصيف وكيل وزارة العدل اليمنية فيصل المجيدي بأن هذه المحاكمات تمثل “نسخة حوثية من محاكم التفتيش”، وأن القاضي لم يكن أكثر من “منفذ للإعدامات” وليس صاحب ولاية قضائية حقيقية.
محاولة تغطية الإخفاقات الأمنية غير المسبوقة
تأتي هذه الأحكام بعد أسابيع من تعرض جماعة الحوثي لضربات إسرائيلية دقيقة غير مسبوقة داخل عمق مناطق سيطرتها، أدت إلى مقتل رئيس حكومتها وتسعة من وزرائه ورئيس أركانها محمد الغماري، في ضربة كشفت حجم الاختراق الأمني في بنية الجماعة. هذه العمليات لم تُظهر فقط ثغرات أمنية خطيرة، بل أثارت حالة من الذعر داخل صفوف الجماعة ومؤيديها، وهو ما دفع قيادتها إلى اتخاذ إجراءات صادمة لإعادة ضبط صورتها.
في هذا السياق، تبدو أحكام الإعدام رسالة “قوة” أكثر من كونها استجابة لقضايا تخابر حقيقية. فاختيار توقيت الإعلان وإصرار الجماعة على إظهاره كإنجاز أمني، يعكس رغبة في تعويض حالة الارتباك والضعف التي خلفتها الضربات الإسرائيلية. وهكذا يجري توجيه الغضب والإحباط الداخلي نحو “خونة” مزعومين بدل الاعتراف بالإخفاقات الأمنية.
تصعيد داخلي لتعزيز القبضة الأمنية
يبرز في خلفية الأحداث الدور المتنامي لعلي حسين الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، الذي يقود جهاز «استخبارات الشرطة». هذا الجهاز، وفق تقارير حقوقية، كثّف في الأسابيع الماضية من حملات الاعتقال العشوائي التي تستهدف معارضين مفترضين أو أشخاصاً تم انتزاع اعترافات منهم تحت الضغط.
توظيف “استخبارات الشرطة” بهذا الشكل يؤكد سعي الجيل الجديد من قيادة الحوثيين لتحويل الأجهزة الأمنية إلى أدوات مباشرة لإحكام السيطرة وبناء نفوذ شخصي داخل الجماعة، في سياق صراع أجنحة مكتوم. وهكذا تصبح قرارات الإعدام جزءاً من مشروع داخلي لإعادة ترتيب موازين القوة، بقدر ما هي محاولة لإخراج مشهد القوة إلى العلن.
تحويل القضاء إلى ساحة للتصفية
يشير الحقوقي عبد الباسط غازي، الذي دافع عن بعض المعتقلين، إلى أن المحكمة المختصة التي أصدرت أحكام الإعدام “منعدمة الولاية” لأنها تعمل تحت سلطة جماعة متمردة خارج الشرعية الدستورية والقانونية للدولة اليمنية. هذا الواقع يحوّل كل أحكامها، وخاصة المتعلقة بالروح الإنسانية، إلى قرارات سياسية مغلفة بقشرة قضائية.
الواضح أن القضاء في مناطق الحوثيين لم يعد يتحرك وفق منظومة قانونية، بل بات جزءاً من جهاز الأمن الجماعي للجماعة. فالقاضي لا يملك سلطة الاستقلال، بل يطبّق قرارات معدّة مسبقاً، كما يظهر في تزامن إصدار الحكم مع توجيهات أمنية ضاغطة، وإجبار المحامين على حذف منشوراتهم فوراً تحت تهديد مباشر.
هذا التفريغ المتعمد للقضاء يخلق بيئة رعب داخل المجتمع، ويبعث رسالة بأن الحياة والموت يقررهما مزاج القائد الأمني، لا نصوص القانون أو سلطة المحكمة.
توظيف “التخابر” كذريعة لتبرير القمع
تهمة “التخابر” التي اعتمدت عليها الجماعة في الأحكام تعد من أكثر التهم استخداماً في الأنظمة التي تبحث عن تبرير قانوني للعقاب السياسي. هذه التهمة بطبيعتها واسعة وفضفاضة، ويمكن استخدامها لإسكات المنتقدين، أو التخلص من شخصيات لا تتماشى مع خط القيادة.
وفي الحالة اليمنية، لا توجد آلية مستقلة للتحقق من صحة الأدلة أو مصادرها، كما أن الجهاز الأمني الحوثي رفض عرض تفاصيل الاتهام أو السماح للدفاع بمراجعة الملفات، ما يعزز الشكوك بأن هذه التهم صيغت لملء الفراغ، وليس بناءً على معلومات أمنية حقيقية. وتؤدي هذه السلوكيات إلى تحويل تهمة “التخابر” إلى سيف دائم فوق رقاب المواطنين، يستخدم لترهيب المجتمع وإخماد أي رأي قد يفسّر على أنه تحدٍ لسلطة الجماعة.
تأثير الأحكام على النسيج الاجتماعي
تستهدف هذه الأحكام المجتمع اليمني في جوهره، إذ تخلق حالة من الخوف الجماعي الذي تنتزعه الجماعة كلما واجهت تحدياً وجودياً. الإعدامات في الميادين العامة، كما أعلنت المحكمة، ليست فقط عقوبة، بل مشهد رمزي يهدف لزرع الخوف في النفوس وإظهار الجماعة كسلطة لا تُهزم ولا تتسامح.
ويفاقم ذلك شعور الأسر اليمنية بالانكسار والظلم، خصوصاً أن العديد من المعتقلين لم يُمنحوا حق الدفاع أو الزيارة، وأن بعضهم – كما تؤكد منظمات حقوقية – انتُزعت منهم اعترافات تحت التعذيب. وفي مجتمع يعاني من تفتت عميق بسبب الحرب، تمثل مثل هذه القرارات عاملاً إضافياً لتمزيق الروابط الاجتماعية وزيادة الانقسام العمودي بين سكان مناطق سيطرة الحوثيين والجماعات المناهضة لهم.
توظيف الإعلام الحوثي لبناء “قصة انتصار”
من خلال تغطية إعلامية مكثفة، تحاول الجماعة تصوير قرارات الإعدام كإنجاز أمني كبير. فهي تركز على رواية مفادها أن المتهمين جزء من “شبكات تخابر” مرتبطة بدول خارجية، في محاولة لبناء سردية تشير إلى يقظتها الأمنية وقدرتها على إحباط مؤامرات.
لكن هذه الرواية تتناقض مع واقع الاختراقات الإسرائيلية، كما تبدو مجافية لتسلسل الأحداث الذي كشف عن ارتباك شديد في منظومة الأمن الحوثية بعد مقتل قياداتها. لذلك، تُستخدم هذه المحاكمات كوسيلة لصناعة قصة انتصار داخلية، لتغطية الهزائم والانكسارات الأمنية التي تلقتها الجماعة في الفترة الأخيرة.
تحمل هذه الأحكام انعكاسات خطيرة على مستقبل اليمن. فمن جهة، ترسخ الجماعة نموذج “القضاء المؤدلج”، الذي يجرّم المعارضين ويصنع أعداء وهميين، ما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيداً. ومن جهة أخرى، قد تزيد هذه الإجراءات من النقمة الشعبية داخل مناطق سيطرة الحوثيين، إذ يشعر المواطنون بأن سلطة الجماعة باتت تستبيح حياتهم دون رقابة أو محاسبة.
غياب العدالة والشفافية
كما أن استمرار هذه الممارسات يهدد بخلق بيئة انتقامية قد تُستغل من أطراف أخرى لإذكاء العنف، إضافة إلى تقويض الثقة في أي مؤسسة حكومية مستقبلية، لأن المواطنين يرون القضاء أداة في يد سلطة القوة وليس مؤسسة للعدالة.
إن قرارات الإعدام التي أصدرتها جماعة الحوثي ليست مجرد عقوبات قانونية، بل هي مؤشر خطير على توظيف القضاء كأداة سياسية لترسيخ السلطة وتغطية الإخفاقات الأمنية. وتكشف هذه الأحكام عن عمق الأزمة التي يعيشها النظام الحوثي، وعن ميله المتزايد لإحكام القبضة عبر الترهيب والقمع بدل بناء الثقة أو معالجة الثغرات الأمنية.
ومع غياب أي ضمانات للعدالة أو الشفافية، تمثل هذه الإجراءات تهديداً لمستقبل الاستقرار في اليمن ولوجود مؤسسات قضائية قادرة على حماية حقوق المواطنين في أي تسوية مقبلة.






