تكشف التقارير الإسرائيلية الأخيرة عن بُعد جديد في حرب غزة، يتجاوز الميدان العسكري المباشر إلى تداعيات صحية وإنسانية غير متوقعة طالت حتى جنود الجيش الإسرائيلي. فبعد أن عانى سكان غزة من انتشار الأمراض الجلدية نتيجة انعدام الشروط الصحية، بسبب تدمير البنية التحتية وانهيار شبكات المياه والمجاري، امتدت هذه الظواهر إلى القوات الإسرائيلية المنتشرة في مواقع متقدمة داخل القطاع. صحيفة يديعوت أحرونوت نشرت صوراً وتفاصيل عن مئات الجنود الذين أصيبوا بتقرحات جلدية وحكة مزمنة ناجمة عن انتشار البراغيث والبق والحشرات في أماكن مبيتهم، مما يعكس بيئة صحية متدهورة لم تتمكن المؤسسة العسكرية من ضبطها أو احتوائها.
انتشار العدوى بين جنود الاحتلال
المفارقة التي تثيرها هذه التطورات تكمن في أن المعاناة الصحية التي فُرضت على الفلسطينيين بفعل الحرب والحصار بدأت تعود لتصيب الجنود الإسرائيليين أنفسهم. شهادات الجنود وعائلاتهم تكشف واقعاً صعباً، إذ يتحدث بعضهم عن اضطرارهم للنوم على الأرض هرباً من الحشرات التي عششت في الفُرش الموزعة عليهم، وعن غياب شبه كامل للمرافق الصحية، حيث يكتفي الجنود بمسح أجسادهم بمحارم رطبة لغياب الحمامات والمياه. بل إن بعض الأهالي وصفوا مواقع الخدمة بأنها “مكبات نفايات” يعيش فيها الجنود جنباً إلى جنب مع الكلاب والقطط الضالة، وهو توصيف يضرب صورة الجيش القوي ويبرز هشاشة الظروف التي يعمل فيها.
رد الناطق العسكري الإسرائيلي جاء متناقضاً مع حجم الشكاوى المنشورة، إذ نفى علمه بالظاهرة رغم أن الصحيفة تحدثت عن مئات الحالات. هذا النفي يسلط الضوء على الفجوة بين ما يجري فعلياً في الميدان وما تحاول القيادة العسكرية تقديمه للرأي العام، خصوصاً في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية بشأن طول أمد الحرب وعدم وضوح أهدافها النهائية. تصريحات بعض الضباط الذين خدموا في جباليا والزيتون تكشف أن الجيش لم يكن مستعداً للبقاء أشهراً طويلة في مواقع غير مجهزة، الأمر الذي ساهم في تحول العدوى إلى ظاهرة واسعة.
ضغط داخلي على صناع القرار
الأبعاد الاستراتيجية لهذه الظاهرة لا يمكن إغفالها. فمن منظور عسكري، يشير تفشي الأمراض الجلدية بين الجنود إلى مشكلة في الجاهزية اللوجستية وإلى عجز القيادة عن توفير بيئة صحية مناسبة، وهو ما قد ينعكس سلباً على المعنويات والقدرة القتالية. ومن منظور سياسي، فإن تداول هذه الأخبار في الإعلام الإسرائيلي يكشف عن تصدع في الرواية الرسمية، ويُظهر أن الحرب التي أرادتها القيادة الإسرائيلية وسيلة لإعادة الردع ضد غزة، تتحول تدريجياً إلى عبء داخلي يعمق الشعور باللاجدوى ويثير نقمة بين الأهالي.
الأمر اللافت أيضاً أن بعض الضباط أقروا بأن “ما يصيب أهل غزة يصيب الجنود أيضاً”، وهو اعتراف غير مباشر بترابط البيئة الإنسانية بين المحتل والمحتل، وأن الكارثة الصحية الناجمة عن التدمير والحصار لا يمكن عزلها جغرافياً أو عسكرياً. هذا الإدراك قد يتحول بمرور الوقت إلى عامل ضغط داخلي على صناع القرار، خاصة إذا استمرت الحرب واستنزفت المزيد من الموارد البشرية والمعنوية.
حرب قذرة
الأمراض الجلدية التي ضربت الجنود الإسرائيليين ليست مجرد مشكلة صحية عابرة، بل هي انعكاس لفشل استراتيجي أوسع في إدارة الحرب. فهي تظهر أن الاحتلال لا يملك السيطرة الكاملة لا على الأرض ولا على تبعاتها، وأن الأدوات التي يستخدمها لإخضاع غزة قد ترتد عليه بشكل غير متوقع. وبينما يدفع الفلسطينيون الثمن الأكبر من حياتهم وصحتهم وبيوتهم، تكشف هذه العدوى أن الجيش الإسرائيلي نفسه غارق في بيئة حرب قذرة، قد تترك ندوباً على صورته وهيبته لا تقل عمقاً عن تلك التي تركتها الخسائر الميدانية والانتقادات الداخلية.






