دخل ملف الحدّ من الأسلحة النووية مرحلة غير مسبوقة من الغموض، مع انتهاء العمل بمعاهدة «ستارت الجديدة» بين الولايات المتحدة وروسيا، آخر اتفاقية كبرى كانت تضبط سقف الترسانتين النوويتين لأكبر قوتين نوويتين في العالم.
الحدث لا يُقرأ بوصفه تطورًا تقنيًا في مسار ضبط التسلّح، بقدر ما يُنظر إليه كمؤشر استراتيجي خطير على اهتزاز منظومة الأمن الدولي، وعودة منطق الردع المفتوح بلا قيود واضحة.
نهاية «ستارت الجديدة»… آخر صمام أمان نووي بين موسكو وواشنطن
انتهت في الخامس من فبراير صلاحية معاهدة «ستارت الجديدة» التي كانت تنظّم منذ عام 2011 حجم وانتشار الأسلحة النووية الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة وروسيا.
وتُعد هذه المعاهدة آخر اتفاق ملزم فعليًا بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم، بعد انهيار سلسلة طويلة من اتفاقيات الحد من التسلح التي تشكلت منذ الحرب الباردة.
وتنص المعاهدة على سقف يبلغ 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا منشورًا لكل طرف، إضافة إلى تحديد عدد منصات الإطلاق – من صواريخ باليستية عابرة للقارات، وصواريخ تُطلق من الغواصات، وقاذفات استراتيجية – بـ800 نظام.
كما كانت تسمح بعمليات تفتيش متبادلة وتبادل منتظم للبيانات، في إطار آلية تهدف إلى الحد من الشكوك ومنع سوء التقدير العسكري.
لماذا يُعد انتهاء المعاهدة تهديدًا مباشرًا للأمن العالمي؟
مع انتهاء العمل بالاتفاق، لم تعد هناك أي قيود قانونية على حجم الترسانتين النوويتين الاستراتيجيتين لموسكو وواشنطن.
ووصف الكرملين هذه التطورات بأنها «سيئة للغاية للأمن العالمي»، في تعبير يعكس حجم القلق حتى داخل الأوساط الرسمية الروسية.
الأخطر من مسألة الأعداد، يتمثل في غياب آليات التفتيش والشفافية وتبادل المعلومات، وهي عناصر كانت تشكّل شبكة أمان نفسية وسياسية وعسكرية تمنع الانزلاق إلى قرارات كارثية قائمة على سوء التقدير أو قراءة خاطئة لتحركات الطرف الآخر.
وبغياب هذه الآليات، يعود شبح سباق التسلح النووي غير المنضبط إلى الواجهة، وسط بيئة دولية أكثر توترًا وأقل استقرارًا من تلك التي وُقّعت فيها الاتفاقية قبل أكثر من عقد.
ما الذي تريده واشنطن وموسكو فعليًا من مرحلة ما بعد «ستارت»؟
على المستوى السياسي، لم تعد معاهدة «ستارت الجديدة» تحظى بالإجماع نفسه الذي رافق توقيعها عام 2010، حين وقّعها الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد طرح سابقًا فكرة إطار جديد يبدأ سريانه في سبتمبر 2025، وهو اقتراح قوبل في البداية بإشارات إيجابية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفه آنذاك بأنه «فكرة جيدة».
لكن هذا المسار لم يتحول إلى اتفاق فعلي.
وفي موقف يعكس تحولًا واضحًا في مقاربة واشنطن، قال ترامب لاحقًا إن انتهاء المعاهدة يعني ببساطة انتهاءها، مضيفًا أن بلاده ستسعى إلى «صفقة أفضل»، مع التأكيد على ضرورة إدخال الصين في أي ترتيبات مستقبلية.
هذا الشرط الأمريكي بات نقطة الخلاف المركزية في أي نقاش حول نظام دولي جديد للحد من التسلح النووي.
من «سالت» إلى «ستارت»… تاريخ طويل من محاولات ضبط الردع النووي
لم تكن «ستارت الجديدة» اتفاقًا معزولًا، بل جاءت امتدادًا لمسار تفاوضي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي.
فأول اتفاق كبير في هذا المجال كان معاهدة «سالت 1» عام 1972، في ذروة الحرب الباردة.
ثم جاءت «ستارت 1» التي بدأت مفاوضاتها في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، ووقّعها خليفته جورج بوش الأب عام 1991، بالتوازي مع توقيعها من قبل ميخائيل غورباتشوف قبل أشهر قليلة من انهيار الاتحاد السوفيتي.
ودخلت هذه المعاهدة حيّز التنفيذ عام 1994.
أما «ستارت 2»، التي أُبرمت عام 1993، فلم تدخل حيز التنفيذ أبدًا، بسبب تدهور العلاقات بين موسكو وواشنطن لاحقًا.
وجاءت «ستارت الجديدة» عام 2010 كمحاولة لإعادة إطلاق العلاقات الثنائية وفتح صفحة جديدة في ملف نزع السلاح النووي الاستراتيجي.
ماذا تغيّر في عهد دونالد ترامب؟
خلال ولايته الأولى بين عامي 2017 و2021، انسحبت الولايات المتحدة من عدد من اتفاقيات الحد من التسلح مع روسيا، لكنها أبقت على «ستارت الجديدة».
غير أن إدارة ترامب اشترطت لإعادة التفاوض حولها إشراك الصين في أي صيغة مستقبلية، وهو ما لم يلقَ تجاوبًا من بكين.
وعندما انتهت صلاحية المعاهدة في فبراير 2021، بادر الرئيس جو بايدن إلى تمديدها خمس سنوات، وهو ما وافقت عليه موسكو.
وبذلك، جرى تمديد العمل بالاتفاق حتى فبراير 2026، قبل أن تتعثر فعليًا آليات تنفيذه لاحقًا في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة.
الحرب في أوكرانيا… نقطة التحول في مسار الاتفاق
في بدايات الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، لم ينعكس التصعيد العسكري فورًا على وضع معاهدة «ستارت الجديدة».
غير أن موسكو علّقت بعد نحو ستة أشهر عمليات التفتيش الأمريكية داخل منشآتها العسكرية، في خطوة اعتُبرت أول ضربة مباشرة لجوهر الاتفاق.
وفي سياق أوسع، يُعاد اليوم التذكير بحقيقة سياسية مؤلمة بالنسبة لكييف: أوكرانيا كانت قد وافقت عام 1991، بموجب بروتوكول مرتبط بمعاهدة «ستارت الأولى»، على التخلي عن جميع الأسلحة النووية السوفيتية الموجودة على أراضيها.
وبعد اندلاع الحرب مع روسيا بعد ثلاثة عقود، عبّر مسؤولون أوكرانيون مرارًا عن ندمهم العميق على ذلك القرار، الذي ترك البلاد دون مظلة ردع استراتيجية خاصة بها.
الصين تدخل المعادلة… والردع لم يعد ثنائيًا
حين وُقّعت اتفاقيات «ستارت»، كانت الولايات المتحدة وروسيا القوتين النوويتين بلا منازع.
اليوم تغيّرت الصورة.
الصين أصبحت قوة عسكرية كبرى، إلى جانب ثقلها الاقتصادي، وتعمل بوتيرة متسارعة على توسيع ترسانتها النووية.
وتشير التقديرات إلى أن بكين تمتلك نحو 600 رأس نووي، مع خطط واضحة لزيادة هذا الرقم خلال السنوات المقبلة.
وترى واشنطن أن أي اتفاق جديد للحد من الأسلحة النووية من دون الصين لم يعد ذا جدوى استراتيجية.
في المقابل، ترفض بكين الخضوع لأي قيود دولية، بحجة أن ترسانتها ما تزال أصغر بكثير من ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا.
وفي هذا السياق، حذرت لجنة في الكونغرس الأمريكي منذ عام 2023 من أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق يتمثل في ردع قوتين نوويتين كبيرتين في الوقت ذاته.
أنظمة جديدة خارج «ستارت»… سباق تكنولوجي ينسف القواعد القديمة
إحدى أبرز المشكلات التي تعقّد أي محاولة لإحياء الاتفاق تتمثل في ظهور أنظمة تسليح جديدة لم تكن مشمولة في التعريفات الأصلية لمعاهدة «ستارت الجديدة».
فروسيا طوّرت أسلحة قادرة على حمل رؤوس نووية، مثل الصواريخ الفرط صوتية من طراز «أوريتشنيك»، إضافة إلى الطوربيد النووي «بوسيدون».
في المقابل، تنظر موسكو بقلق بالغ إلى مشروع الدفاع الصاروخي الفضائي الذي اقترحه ترامب، والمعروف إعلاميًا باسم «القبة الذهبية»، وتعتبره محاولة لتقويض التوازن الاستراتيجي القائم.
وصرّح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف بأن أي نشر لمنظومات دفاع صاروخي أمريكية في غرينلاند سيدفع روسيا إلى اتخاذ إجراءات عسكرية مضادة.
أوروبا في موقع القلق… هل تهتز المظلة النووية الأمريكية؟
في العواصم الأوروبية، يُنظر إلى انتهاء معاهدة «ستارت الجديدة» بوصفه تطورًا مقلقًا على نحو خاص.
فالخوف لا يقتصر على سباق التسلح، بل يتصل أيضًا بمستقبل التزام الولايات المتحدة بالدفاع النووي عن حلفائها الأوروبيين.
وقد ساهمت تصريحات متكررة لترامب في تغذية المخاوف من أن المظلة النووية الأمريكية لم تعد مضمونة بالشكل التقليدي.
وأعاد ذلك فتح النقاش حول فكرة ردع نووي أوروبي، تقوده القوتان النوويتان في القارة: فرنسا والمملكة المتحدة.
وأكد المستشار الألماني فريدريش ميرز أن مشاورات جارية بالفعل مع باريس ولندن، مشددًا في الوقت نفسه على أن القرارات الاستراتيجية الكبرى لم تُتخذ بعد.
لكن هذا النقاش يواجه إشكاليات سياسية وقانونية عميقة، أبرزها: من يمتلك سلطة القرار النهائي باستخدام السلاح النووي؟ وكيف يمكن دمج دول غير نووية ضمن منظومة ردع جديدة؟
معضلة إضافية… روسيا تريد إدخال لندن وباريس في أي اتفاق جديد
يزيد المشهد تعقيدًا إصرار موسكو على أن تشمل أي معاهدة مستقبلية الترسانتين النوويتين البريطانية والفرنسية، باعتبارهما جزءًا من المنظومة العسكرية الغربية المتحالفة مع الولايات المتحدة.
وهو مطلب تراه العواصم الأوروبية مساسًا باستقلالية ردعها النووي، ومقدمة لمفاوضات شديدة الحساسية.
تحذيرات المفاوضين… سباق تسلح يلوح في الأفق
في الأسابيع التي سبقت انتهاء المعاهدة، حذّر الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما من أن انهيار «ستارت الجديدة» سيقضي على عقود من الجهود الدبلوماسية، وقد يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي جديد يزيد من خطورة العالم.
وفي موسكو، قال ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن القومي آنذاك، إن البشرية يجب أن تشعر بالقلق إذا أصبح مستقبل نظام الحد من الأسلحة النووية غامضًا إلى هذا الحد.
قراءة في المشهد… العالم يعود إلى منطق الردع المفتوح
انتهاء معاهدة «ستارت الجديدة» لا يعني بالضرورة اندلاع سباق تسلح فوري، لكنه يؤسس لمرحلة مختلفة تمامًا في إدارة التوازن النووي العالمي.
مرحلة تُبنى على الشك المتبادل، وعلى سباق تكنولوجي سريع، وعلى بيئة سياسية أكثر تصادمًا من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة.
ومع دخول الصين كلاعب نووي صاعد، وتزايد حضور أنظمة تسليح غير خاضعة لأي أطر تنظيمية، تبدو منظومة الحد من التسلح التي تشكلت خلال نصف قرن ماضية في التفكك، دون أن يظهر حتى الآن بديل واقعي قادر على ضبط أخطر أسلحة عرفتها البشرية.






