تتجه روسيا إلى تحميل كلفة الحرب لاقتصادها الداخلي، عبر قرارات مالية توسعية باتت تُلقي بثقلها على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتنعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين. فقد أقرّ الكرملين رفع ضريبة القيمة المضافة من 20 إلى 22%، مع إلغاء بعض الإعفاءات، في خطوة دخلت حيّز التنفيذ مطلع عام 2026، وتُعد من أبرز أدوات تمويل ما تصفه موسكو بـ”الدفاع والأمن”.
هذا التحول الضريبي، الذي يأتي في سياق ضغوط متزايدة على الميزانية، سرعان ما ظهرت تداعياته في السوق الروسية، حيث ارتفعت الأسعار بوتيرة ملحوظة، واستمر التضخم عند مستويات مرتفعة، ما زاد من الضغط على المستهلكين. كما تواجه شريحة واسعة من الشركات الصغيرة تحديات متزايدة، وسط تحذيرات من حالات تعثر وإفلاس محتملة، نتيجة ارتفاع التكاليف وتراجع الطلب.
وفي مؤشر نادر على تغير النبرة الرسمية، أقرّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع اقتصادي عقد في 15 أبريل بأن الأداء الاقتصادي تباطأ بشكل يفوق التوقعات، محمّلًا حكومته جزءًا من المسؤولية. هذا الاعتراف يعكس تحولًا ملحوظًا عن الخطاب السابق الذي ركّز على متانة الاقتصاد رغم العقوبات، ويكشف عن هشاشة متزايدة في بنية النمو.
وشهد الاجتماع حضور شخصيات بارزة، من بينها رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين، ومحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا، حيث أشار بوتين إلى أن المؤشرات الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة جاءت دون التوقعات الحكومية، مؤكّدًا أن “الديناميكيات الاقتصادية أصبحت غير مستقرة”.
وتُظهر البيانات المتاحة أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة تقارب 1.8% خلال شهري يناير وفبراير، في حين بدأت قطاعات رئيسية مثل الصناعة والبناء والاستثمار تشهد تباطؤًا واضحًا. كما يواجه الاقتصاد تحديات مركبة، تشمل نقص اليد العاملة واتساع عجز الميزانية، في وقت لم تعد فيه عائدات النفط قادرة على تعويض هذه الاختلالات كما في السابق.
ويبدو أن الكرملين، في ظل هذه المعطيات، يضيق خياراته بين مواصلة تمويل الحرب أو احتواء التداعيات الاقتصادية الداخلية، وهو توازن دقيق قد يزداد تعقيدًا مع استمرار الضغوط الخارجية وتراجع هوامش المناورة المالية.




