في خضم التصعيد في الشرق الأوسط، يبرز سؤال يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة: هل تؤدي الحرب في إيران إلى إضعاف الدولار، أم أنها—على العكس—تعزز موقعه في النظام المالي العالمي؟
في وقت يرى فيه بعض المحللين أن تعدد الأزمات يسرّع تراجع العملة الأمريكية، يذهب تقرير صادر عن Deutsche Bank إلى هذا الاتجاه، معتبراً أن الحرب قد تكون عامل ضغط إضافي على الدولار.
لكن قراءة مغايرة تماماً تطرحها الخبيرة الاقتصادية ديانا تشويليفا، التي ترى—في تصريحات نقلتها Wall Street Journal—أن ما يحدث قد يعيد تثبيت “البترودولار” بدل تقويضه.
ما هو البترودولار… ولماذا يهم العالم؟
لفهم هذا الجدل، لا بد من العودة إلى الأساس: نظام البترودولار، الذي نشأ بعد اتفاق 1974 بين الولايات المتحدة و**المملكة العربية السعودية**، يقوم على ثلاث ركائز رئيسية:
- تسعير النفط بالدولار
- تسوية المعاملات بالدولار
- إعادة استثمار عائدات النفط في الأصول الأمريكية
هذا النظام منح الدولار موقعاً مركزياً في الاقتصاد العالمي، وجعل أي تهديد له بمثابة تحدٍ للنظام المالي الدولي بأكمله.
الصين ومحاولة كسر الهيمنة
قبل اندلاع الحرب، كانت الصين تتحرك بشكل منهجي لتقويض هذه الهيمنة.
عملت بكين على:
- تطوير أنظمة تسوية باليوان
- إنشاء بنى مالية بديلة مثل منصة mBridge
- تعزيز شراكاتها مع منتجي النفط في الخليج
الهدف كان واضحاً: نقل جزء متزايد من تجارة النفط خارج دائرة الدولار، وبناء ما يُعرف بـ “البترويوان”.
الحرب تغيّر المعادلة
لكن مع اندلاع الحرب في إيران، تغيّرت الحسابات.
تؤكد الولايات المتحدة مجدداً دورها كضامن أمني رئيسي في الخليج، وهو عنصر أساسي في استمرار نظام البترودولار. كما أظهرت دول المنطقة، خصوصاً المملكة العربية السعودية، دعماً واضحاً للدور الأمريكي.
بحسب تشويليفا، فإن هذا الالتزام الأمني—رغم تعرضه للاختبار—ظل ثابتاً، وهو ما يعزز الثقة في استمرار تسعير النفط بالدولار.
واشنطن وتوسيع نفوذ الطاقة
في موازاة ذلك، تتحرك واشنطن لتعزيز نفوذها في مصادر طاقة أخرى، خاصة في فنزويلا.
فإذا تمكنت الولايات المتحدة من توسيع سيطرتها—المباشرة أو غير المباشرة—على احتياطيات نصف الكرة الغربي، فقد تمتلك نفوذاً نفطياً يفوق ما لدى دول منظمة “أوبك”، وهو ما يمنحها أدوات إضافية لترسيخ هيمنة الدولار.
سيناريوهات ما بعد الحرب
يرسم هذا الواقع سيناريوهين رئيسيين لمآلات الصراع:
السيناريو المعتدل:
إضعاف إيران والتوصل إلى اتفاق يسمح بعودة تدفقات النفط تحت إشراف دولي تقوده واشنطن، مع استمرار التعامل بالدولار.
السيناريو المتطرف:
سيطرة مباشرة أو غير مباشرة على نقاط استراتيجية مثل جزيرة خرج أو مضيق هرمز، وهو ما يعني التحكم في شريان يمر عبره نحو خُمس نفط العالم—وبالتالي التأثير المباشر على عملة التسعير.
الصين… الخاسر الصامت؟
في كلا السيناريوهين، تبدو الصين أمام تحدٍ كبير.
فبكين التي استثمرت لسنوات في بناء نظام “بترويوان”، قد تجد نفسها أمام واقع يعزز الدولار بدلاً من إضعافه، ما يمثل انتكاسة لمشروعها المالي العالمي.
الدولار لا يتراجع… بل يعيد التموضع
رغم الضجيج حول “أفول الدولار”، تشير هذه القراءة إلى أن العملة الأمريكية لا تزال قادرة على التكيف مع الأزمات—بل واستغلالها لتعزيز موقعها.
الحرب في إيران قد لا تكون بداية نهاية البترودولار، بل ربما تشكل لحظة إعادة تثبيت له في قلب النظام العالمي.
وبين صراع الجغرافيا السياسية ومصالح الطاقة، يبقى الدولار—حتى الآن—أكثر من مجرد عملة… بل أداة نفوذ تعاد صياغتها مع كل أزمة.




