يقدم مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أوروبا وآسيا الوسطى والأمريكتين، ميروسلاف ينتشا، قراءة أممية صريحة وقاسية للواقع الإنساني والسياسي في قطاع غزة، محذرًا من أن السلوك العسكري الإسرائيلي، وخصوصًا حرمان المدنيين من الغذاء واستخدام الرهائن، لا يشكل فقط تجاوزًا أخلاقيًا، بل يرتقي إلى مصاف “جرائم الحرب” حسب القانون الدولي. ويأتي هذا التصريح في لحظة حرجة تتصاعد فيها التكهنات حول نية إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية في قطاع غزة، في ظل انهيار البنى التحتية واستفحال الأزمة الإنسانية.
خطوط قانونية وإنسانية حمراء
التحذيرات التي أطلقها ينتشا، نقلاً عن مركز إعلام الأمم المتحدة، تؤكد أن هناك خطوطًا قانونية وإنسانية حمراء يتم تجاوزها بشكل يومي في غزة، سواء عبر القيود المفروضة على دخول المساعدات أو من خلال الاستهداف المباشر للمدنيين أثناء محاولاتهم الحصول على الغذاء. فالبيانات الصادرة عن الأمم المتحدة تشير إلى مقتل أكثر من 1200 فلسطيني وإصابة أكثر من 8100 آخرين منذ نهاية مايو، معظمهم أثناء محاولات الوصول إلى مراكز توزيع المساعدات، وهو ما يعكس الطبيعة غير الآمنة لهذه المناطق، على الرغم من أنها من المفترض أن تكون “إنسانية” ومحايدة.
ينتشا أعاد التذكير بأن القانون الدولي يحظر تمامًا أخذ الرهائن، ويشترط التعامل الإنساني مع المحتجزين والسماح بزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكدًا على أن مثل هذه الانتهاكات تسهم في تعقيد مسار التسوية وتوسيع فجوة الثقة بين الأطراف. وفي هذا السياق، لم يغفل المسؤول الأممي توجيه دعوة مباشرة لحركة حماس بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الرهائن، بما يتماشى مع الموقف الأممي الثابت حول حماية المدنيين من جميع الأطراف.
منع دخول المساعدات
ما يميز تصريح ينتشا هو الربط المباشر بين قرار محتمل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوسيع نطاق العمليات العسكرية، وبين التداعيات الكارثية التي قد تترتب على هذا القرار. فالتحذير لا يستند فقط إلى المخاوف الإنسانية، بل إلى تداعيات استراتيجية قد تؤدي إلى انهيار كامل في البنية المدنية لقطاع غزة، فضلًا عن تهديد حياة الرهائن أنفسهم، الذين تقول إسرائيل إنها تسعى لتحريرهم.
الخطاب الأممي بدا واضحًا في تحميل إسرائيل مسؤولية رئيسية في منع دخول المساعدات، معتبرًا أن “ما يُسمح بدخوله لا يفي بالحد الأدنى من الاحتياجات”، وأن الجوع بات ظاهرًا على وجوه الأطفال ويأس الأهالي، في مشهد يعيد إلى الأذهان المجاعات الكارثية التي شهدها التاريخ المعاصر. هذا التصعيد اللفظي من قبل الأمم المتحدة يعكس مستوى التدهور الإنساني الحاصل، وهو تدهور لم يعد يحتمل لغةً دبلوماسية معتادة.
ورغم الانتقادات الشديدة، فإن الأمم المتحدة لم تحصر اللوم في جهة واحدة، بل شددت على أن الحل لا يكون إلا عبر وقف شامل ودائم لإطلاق النار، بما يتيح تدفق المساعدات المنقذة للحياة ويضمن الوصول الآمن للمدنيين إليها. وهذا الطرح يعكس إدراكًا عميقًا لدى المنظمة الأممية بأن الحلول العسكرية لا يمكن أن تؤدي إلى استقرار، بل تزيد من تفاقم الأزمة وتضع المنطقة بأسرها أمام مخاطر لا يمكن التحكم بها.
تفعيل الضغط الدولي على إسرائيل وحماس
في هذا الإطار، يعكس خطاب ينتشا محاولة أممية لإعادة تفعيل الضغط الدولي على إسرائيل وحماس على حد سواء، مع تحميل تل أبيب المسؤولية الكبرى بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، والتي تملك السيطرة الكاملة على الحدود والمعابر وتتحكم عمليًا في حياة ملايين الفلسطينيين. كما أن تحذيراته من توسع العمليات العسكرية لا تنفصل عن تحذيرات سابقة أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة بشأن التداعيات الإقليمية لأي تصعيد في غزة، خصوصًا مع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين واتساع نطاق الدمار.
الخلاصة التي يقدمها هذا التصريح الأممي، وإن لم تُترجم بعد إلى إجراءات فعلية على الأرض، هي أن العالم بدأ يدرك أن الوضع في غزة تجاوز حدود الكارثة، وبات يمثل اختبارًا صارخًا لجدوى القانون الدولي ونظام الحماية الإنسانية. ومهما كانت الاعتبارات السياسية، فإن استمرار الصراع بهذه الوتيرة، وبهذا الشكل من الانتهاكات، قد يفتح الباب أمام مساءلات قانونية دولية ويدفع نحو تحولات في المواقف الدولية، خصوصًا إذا استمر الضغط الشعبي والإعلامي على الحكومات الغربية المترددة في ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل.






