تشير المعطيات الواردة في تقرير مجلة “تايم” الأمريكية إلى أن الوضع الإنساني في قطاع غزة تجاوز جميع الخطوط الحمراء، ولم يعد مجرد تحذير من كارثة وشيكة بل تحول إلى واقع قائم، تتجلى مظاهره في أرقام مروّعة من الضحايا وغياب شبه كامل لمقومات الحياة. تحذير تحالف الأمن الغذائي العالمي المدعوم من الأمم المتحدة (IPC) بأن غزة دخلت فعليًا أسوأ سيناريوهات المجاعة يؤكد أن الأزمة بلغت ذروتها، وأن المأساة أصبحت ممنهجة ومعمّقة، وليست مجرد انعكاس لتداعيات حرب تقليدية.
تفشي سوء التغذية
يتضح من التقرير أن الشروط الثلاثة المعيارية لإعلان المجاعة وفق التصنيف الدولي قد تحققت ميدانيًا: تفشي سوء التغذية لدى أكثر من 30% من الأطفال، ووفاة ما يزيد عن أربعة أطفال يوميًا لكل 10,000 نسمة، بالإضافة إلى معاناة أكثر من خمس السكان من انعدام حاد في الأمن الغذائي. غير أن غياب البيانات الدقيقة بسبب الحصار والإغلاق المحكم حال دون الإعلان الرسمي عن المجاعة، ما يكشف أيضًا عن ثغرة مؤسسية في كيفية تعامل المنظمات الدولية مع الكوارث عندما تتعلق بمناطق تخضع لقيود عسكرية وسياسية.
الوضع الميداني الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنه “واقع مأساوي يتكشف أمام أعيننا” يعكس عمق المأساة الإنسانية. دخول 100 شاحنة إغاثية فقط في يوم واحد، مقارنة بـ500 شاحنة كانت تدخل قبل الحرب، يوضح الفجوة الشاسعة بين الاحتياجات الفعلية وما يتم توفيره، خاصة في ظل الانهيار الكامل للبنية التحتية الصحية والمائية والبيئية.
تغيير السياسات الداعمة لإسرائيل
من ناحية الأرقام، وفاة 122 فلسطينيًا جراء الجوع، بينهم 83 طفلًا، وظهور أكثر من 28 ألف حالة سوء تغذية، منها أكثر من 5000 حالة في شهر يوليو وحده، يعكس درجة خطيرة من التدهور السريع الذي لا يمكن السكوت عنه. هذا التصاعد يُنبئ بكارثة مستمرة قد تتفاقم مع اقتراب سبتمبر 2025، حيث تتوقع IPC أن يواجه سكان غزة بأكملهم مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
في هذا السياق، يأتي تصريح دونالد ترامب حول وجود مجاعة حقيقية في غزة بمثابة خرق للمواقف الأمريكية الرسمية السابقة التي غالبًا ما تبنّت الرواية الإسرائيلية بشكل كامل. إقراره بأن الصور المنتشرة للأطفال الذين يعانون من الهزال “حقيقية”، وإعلانه عن مبادرة أمريكية لإقامة مراكز غذائية داخل القطاع، يشكل تغيرًا رمزيًا في الخطاب السياسي الأمريكي، حتى وإن لم يصاحبه بعدُ تغيير جذري في السياسات الداعمة لإسرائيل عسكريًا وسياسيًا.
إلا أن فعالية هذه المبادرات تبقى موضع شك، خصوصًا في ظل تقارير IPC التي أشارت إلى أن الأغذية المقدمة عبر مؤسسة GHF لا يمكن الاستفادة منها لغياب الوقود والمياه الضرورية للطهي، فضلًا عن أن مراكز التوزيع تقع ضمن مناطق عسكرية، ما يحول دون وصول معظم السكان إليها. استشهاد أكثر من 1000 فلسطيني أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات، منهم 766 قرب مواقع GHF، يلقي الضوء على أحد أخطر أوجه الأزمة: أن الحصول على لقمة العيش أصبح يقترن بمخاطرة يومية بالحياة.
الدعوات المتكررة من أكثر من 100 منظمة إغاثية دولية لإعادة فتح المعابر بشكل كامل تعكس الفهم الدولي المتزايد بأن الكارثة في غزة لا يمكن احتواؤها دون إنهاء الحصار والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية بحرية ودون قيود سياسية أو أمنية. هذه الدعوات تقابلها اتهامات مباشرة لإسرائيل بأنها تستخدم سياسة التجويع كسلاح حرب، كما ورد في تقرير منظمتَي “بيتسيلم” و”أطباء من أجل حقوق الإنسان” الإسرائيليتين، وهو ما يُعد تحولًا لافتًا في الموقف الحقوقي داخل إسرائيل نفسه.
ممارسة ممنهجة لسياسة الإبادة
ولعل أبرز تطور سياسي هو ما صدر عن مارجوري تايلور جرين، أول نائبة جمهورية أمريكية تصف ما يحدث في غزة بـ”الإبادة”. هذا التصريح يكسر حاجز الصمت داخل الحزب الجمهوري، المعروف بتأييده التقليدي لإسرائيل، وقد يمثل بداية لتحوّل أوسع في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه الصراع، خاصة في ظل ضغط متزايد من الرأي العام الأمريكي والدولي على خلفية مشاهد المعاناة التي تتوالى يومًا بعد يوم.
تكشف الوقائع أن ما يحدث في غزة لم يعد مجرد أزمة إنسانية ناتجة عن الحرب، بل يشير إلى ممارسة ممنهجة لسياسة الإبادة الجماعية، كما تؤكد تقارير حقوقية دولية وإسرائيلية. استمرار الحصار وعرقلة دخول المساعدات، في ظل ارتفاع عدد الضحايا نتيجة الجوع والمرض، يشكل اختبارًا قاسيًا لمصداقية النظام الدولي، ولجدية المجتمع الدولي في حماية المدنيين من الكوارث التي تُرتكب في وضح النهار وبعلم الجميع.






