في تصريحات لافتة وسط تصاعد الأزمة بين واشنطن وطهران، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “مستعد للقاء أي شخص”، حتى لو كان المرشد الإيراني علي خامنئي، مؤكداً أن اللقاء لا يُعد تنازلاً بل أداة لحل النزاعات.
الحوار.. وسيلة لتفادي الأزمات
وجاءت تصريحات روبيو في مقابلة مع وكالة بلومبرغ، أمس السبت، حيث قال: “أنا واثق تماماً من أنه لو أعلن المرشد الإيراني غداً رغبته في لقاء ترامب، فإنه سيوافق على لقائه”.
وأضاف أن الرئيس الأميركي ينظر إلى الحوار باعتباره وسيلة لتفادي الأزمات، لا تعبيراً عن توافق سياسي.
وأوضح روبيو أن ترامب لا يرى في مجرد الجلوس إلى طاولة الحوار تنازلاً، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي سبق أن التقى نظيره الصيني شي جين بينغ، كما يعتزم زيارة بكين في إطار تحركات دبلوماسية أوسع.
جولة مرتقبة في جنيف
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتجه فيه الأنظار إلى جنيف، حيث يُنتظر عقد جولة ثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران الثلاثاء المقبل، في محاولة للتوصل إلى اتفاق يمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية.
ومن المقرر أن يضم الوفد الأميركي مبعوث واشنطن ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، فيما يترأس الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي. كما يُتوقع حضور وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي يلعب دور الوسيط بين الجانبين، بعد جولة أولى استضافتها سلطنة عُمان.
ورغم تأكيد ترامب تفضيله للحل الدبلوماسي، فقد أمر في الوقت ذاته بتعزيز الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، بما في ذلك إرسال مجموعة ثانية من حاملات الطائرات الضاربة، في خطوة تعكس استمرار سياسة “الضغط الأقصى”.
وفي مقابلة مع موقع أكسيوس، قال ترامب: “إما أن نتوصل إلى اتفاق أو سنضطر إلى اتخاذ إجراءات صارمة للغاية كما فعلنا في المرة السابقة”، في إشارة إلى الضربات التي شنتها الولايات المتحدة على إيران في يونيو من العام الماضي.
توترات متراكمة في العلاقات
جدير بالذكر أن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، تشهد تاريخاً طويلاً من التوترات المتراكمة، تعود جذورها إلى ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979، حين انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ودخلت مرحلة من العداء السياسي والعقوبات المتبادلة.
وعلى مدى العقود الأربعة الماضية، تعاقبت الإدارات الأميركية على تبني سياسات تراوحت بين الاحتواء والضغط والعقوبات الاقتصادية، فيما تمسكت طهران بخطاب سيادي رافض للنفوذ الأميركي في المنطقة، ما جعل العلاقة بين الطرفين محكومة بدورات متكررة من التصعيد والتهدئة.
وبلغت تلك العلاقة نقطة تحول مهمة مع توقيع الاتفاق النووي عام 2015 خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والذي عُرف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، غير أن وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض غيّر مسار هذا الاتفاق، إذ أعلن في 2018 انسحاب بلاده منه وإعادة فرض عقوبات مشددة على طهران، ضمن ما عُرف بسياسة “الضغط الأقصى”، وهو ما أدى إلى تدهور كبير في العلاقات وعودة التوترات الأمنية في الخليج والمنطقة.
رفض التفاوض تحت الضغط
وفي المقابل، تمسكت القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، برفض التفاوض تحت الضغط، معتبرة أن أي حوار يجب أن يكون متكافئاً وخالياً من التهديدات.
ومع ذلك، شهدت السنوات الماضية قنوات اتصال غير مباشرة، سواء عبر وسطاء إقليميين أو من خلال محادثات متعددة الأطراف، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي ورفع العقوبات، ما يعكس إدراكاً متبادلاً لكلفة المواجهة المفتوحة.
وتلعب أطراف إقليمية ودولية أدواراً مهمة في إدارة هذا الصراع، إذ برزت سلطنة عُمان كوسيط تقليدي بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الجانبين. كما أسهمت عواصم أوروبية، خصوصاً خلال المفاوضات التي سبقت الاتفاق النووي، في تقريب وجهات النظر.
وفي السياق الآسيوي، تتابع قوى كبرى مثل الصين وروسيا تطورات المشهد عن كثب، نظراً لانعكاساته على أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
قضايا النفوذ الإقليمي
يذكر أن التوتر بين البلدين لا يقتصر على الملف النووي فحسب، بل يمتد إلى قضايا النفوذ الإقليمي، وبرامج الصواريخ الباليستية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.
وقد شهدت السنوات الماضية حوادث متفرقة، من هجمات على منشآت نفطية إلى عمليات عسكرية محدودة، ما أبقى المنطقة على حافة الانزلاق إلى مواجهة أوسع في أكثر من مناسبة.
ورغم هذا التاريخ المثقل بالأزمات، تظهر بين الحين والآخر مؤشرات على استعداد الطرفين لاختبار المسار الدبلوماسي، خاصة عندما تتزايد المخاوف من كلفة الحرب اقتصادياً وأمنياً.







