رغم أن بيان حركة حماس الأخير حول خطة إسرائيل للسيطرة على مدينة غزة حمل نبرة حادة، ووصف الخطوة الإسرائيلية بأنها “جريمة حرب مكتملة الأركان”، إلا أن قراءة متأنية للمشهد تطرح علامات استفهام كبيرة حول جدوى هذه البيانات في ظل الواقع الكارثي الذي يعيشه القطاع. فبعد نحو عامين من الحرب، ومع تواصل القصف والدمار الذي طال كل جوانب الحياة، لا تزال حماس تكتفي بإصدار بيانات الإدانة والتحذير، دون أن تبدي استعدادًا حقيقيًا لتقديم أي تنازلات يمكن أن تفتح نافذة جدية لوقف إطلاق النار.
تخفف معاناة المدنيين
اللافت في خطاب حماس أنه يعيد تكرار نفس المفردات التي درجت عليها منذ بداية الحرب، من التحذير من “الثمن الباهظ” إلى التشكيك في نوايا إسرائيل واتهامها بالتضحية بالأسرى. غير أن هذه اللغة، مهما بدت قوية على الورق، لا تُترجم على الأرض إلى خطوات عملية يمكن أن تخفف من معاناة المدنيين المحاصرين تحت القصف، أو تفتح أفقًا سياسيًا لإنهاء الحرب. بل إن إصرار الحركة على التمسك بمطالب قصوى، مثل الإفراج عن جميع الأسرى دفعة واحدة مقابل إنهاء الحرب، يعكس تصلبًا قد يبدو للبعض مبدئيًا، لكنه في ظل موازين القوى الحالية قد يُنظر إليه على أنه تجاهل لحقائق الميدان.
هذا النهج المتشدد يضعف الموقف التفاوضي أكثر مما يقويه، إذ يمنح إسرائيل ذريعة للاستمرار في عملياتها العسكرية تحت غطاء “فشل المفاوضات”، خاصة وأن بيان حماس نفسه أقر بأن الجولة الأخيرة من المحادثات كانت “على وشك” التوصل لاتفاق قبل أن تنهار. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان الاتفاق قاب قوسين أو أدنى، فلماذا لم تُقدم الحركة تنازلات تكتيكية تتيح على الأقل وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار يتيح إعادة تنظيم الصفوف وحماية ما تبقى من المدنيين؟
الاكتفاء ببيانات الإدانة
من جهة أخرى، فإن استمرار حماس في إصدار بيانات الإدانة الموجهة للعالم العربي والغربي، دون أن ترفقها بخطة سياسية واقعية أو مبادرات لوقف التصعيد، يجعل هذه البيانات أقرب إلى رسائل دعائية موجهة للداخل ولأنصارها، أكثر من كونها أدوات ضغط حقيقية على الأطراف الدولية. وفي الوقت الذي تتسع فيه رقعة الدمار ويزداد النزيف الإنساني في غزة، يزداد الفارق بين خطاب الحركة وواقع الأرض، وهو فارق يدفع ثمنه المدنيون وحدهم.
نهج حماس في إدارة الأزمة — القائم على التشدد في المفاوضات والاكتفاء ببيانات الإدانة — يبدو وكأنه يساهم في إطالة أمد الحرب بدلًا من تقريب نهايتها، ويترك الباب مفتوحًا أمام إسرائيل لمواصلة فرض وقائع جديدة على الأرض، فيما يظل سكان غزة رهائن بين مطرقة الاحتلال وسندان الجمود السياسي.






