في تحول لافت على مستوى المواقف الغربية من الحرب المستمرة في غزة، أعلنت المفوضية الأوروبية، الإثنين، عن نيتها تعليق تمويل عدد من الشركات الناشئة الإسرائيلية، مبررة ذلك بتدهور الوضع الإنساني إلى مستويات “كارثية”، رغم ما وصفته بـ”احترام جزئي” من إسرائيل لبعض الالتزامات الإنسانية.
البيان الأوروبي، الذي جاء بلهجة غير معتادة، يعكس حجم القلق المتزايد داخل أروقة صنع القرار الأوروبي من استمرار الحرب التي توشك على دخول عامها الثالث، مع ما خلفته من دمار هائل وسقوط نحو 60 ألف قتيل، بحسب إحصاءات القطاع.
ألمانيا تتبنى مقاربة جديدة: جسر مساعدات… وضغوط معلنة
وعلى نحو متزامن، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس إطلاق جسر جوي فوري لنقل مساعدات إنسانية إلى غزة بالتعاون مع الأردن، كاشفاً في الوقت ذاته عن إعادة تقييم العلاقات الألمانية-الإسرائيلية، في موقف يعد الأكثر وضوحاً منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
تصريحات ميرتس التي جاءت خلال مؤتمر صحفي عقده في برلين، لم تخلُ من التلميح إلى إمكانية فرض عقوبات أو تعليق العمل باتفاق الشراكة الأوروبي مع إسرائيل، وهي خطوة لطالما رفضتها برلين، متذرعة بـ”الخصوصية التاريخية” التي تحكم موقفها من تل أبيب.
وتعهد ميرتس بإجراء محادثة مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما أعلن عن إرسال وزير الخارجية يوهان فاديفول إلى المنطقة رفقة نظرائه من بريطانيا وفرنسا، لإجراء تقييم مشترك للأوضاع، وتنسيق الجهود الإنسانية.
مجاعة تطرق الأبواب: صدمة غربية واتهامات باستخدام الجوع كسلاح
في مشهد يعكس عمق الأزمة، خرج الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن صمته منتقداً نتنياهو، ومعلناً أن “الكثير من الناس يتضورون جوعاً في غزة”، في موقف يثير تساؤلات حول تآكل الغطاء السياسي الأميركي التقليدي لإسرائيل.
من جهته، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن “استخدام الجوع كسلاح حرب أمر غير مقبول”، مشيراً إلى أن الأوضاع في غزة والسودان باتت تنذر بانهيار كامل للمنظومة الإنسانية.
وتشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن سوء التغذية في غزة بلغ مستويات “تنذر بالخطر”، مع تسجيل 63 حالة وفاة بسبب الجوع خلال شهر يوليو فقط، بينها 24 طفلاً دون سن الخامسة، ما يعكس انهياراً شاملاً في القدرة على توفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية والغذائية.
إسرائيل تعلن “هدنة تكتيكية”… والأمم المتحدة: التخفيف غير كافٍ
في محاولة للتخفيف من الضغوط، أعلنت إسرائيل تعليقاً تكتيكياً يومياً للعمليات العسكرية في بعض مناطق غزة، لتسهيل إيصال المساعدات، وهي خطوة رحبت بها برلين باعتبارها “بادرة أولى”، لكنها شددت على ضرورة أن يتبعها إجراءات أوسع وأكثر استدامة.
وأكد مكتب تنسيق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات) توزيع مساعدات عبر 120 شاحنة يوم الأحد، لكن تقارير الأمم المتحدة لا تزال تشير إلى حجم فجوة هائل بين الاحتياجات الفعلية والمساعدات المرسلة.
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، قال إن ما تم تجميعه من مساعدات “خطوة إلى الأمام”، لكنه لا يكفي لتدارك المجاعة والأزمة الصحية الآخذة في الاتساع.
نهاية “الصمت الألماني”؟ تغير تدريجي في عقيدة الدعم لإسرائيل
تاريخياً، حافظت ألمانيا على موقف متحفظ إزاء انتقاد إسرائيل، مدفوعة بمفهوم “المسؤولية الحكومية” عن جرائم الحقبة النازية، إلا أن ضغوطاً داخلية متزايدة من المجتمع المدني وبعض الأصوات داخل الائتلاف الحاكم بدأت تدفع برلين نحو مقاربة أكثر صراحة.
وتعرض ميرتس في الأسابيع الأخيرة لانتقادات حادة بعد امتناعه عن التوقيع على بيان غربي مشترك يدين “القتل غير الإنساني” للفلسطينيين، الأمر الذي اعتبره البعض دليلاً على ازدواجية في المعايير وتواطؤ سياسي في استمرار المأساة.
نحو مؤتمر لإعادة إعمار غزة
وفي مؤشر على تحرك غربي منظم، كشف ميرتس أن بلاده ستعمل مع بريطانيا وفرنسا على التحضير لمؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة، مؤكداً أن الجهود الإنسانية لا يجب أن تقتصر على توزيع المساعدات، بل ينبغي أن تشمل منع أي عمليات تهجير إضافية من القطاع.
تحول استراتيجي في الموقف الأوروبي
يتبلور اليوم واقع جديد في تعاطي الغرب، لا سيما أوروبا، مع الحرب الإسرائيلية على غزة. فبينما كانت البيانات السابقة تتسم بالغموض والحرص الدبلوماسي، فإن المرحلة الحالية تكشف عن نقلة نوعية في اللهجة والإجراءات، مدفوعة بـ”حقائق الجوع” التي بات من الصعب تجاهلها. ومع أن الحديث عن فرض عقوبات لا يزال في خانة التلويح، إلا أن مجرد طرحه على طاولة البحث يعكس عمق التحول… وربما بداية إعادة رسم للعلاقة مع إسرائيل.






