المشهد الذي وثقته السواحل المقابلة لقطاع غزة اليوم، حيث أبحرت قوارب تحمل أقارب الرهائن المحتجزين، يعكس مزيجاً من الألم واليأس، وتحوّلاً في وسائل الضغط الشعبي داخل إسرائيل بهدف دفع العالم للتفاعل مع ملف الرهائن الذي مضى عليه ما يقارب العام. هذه المبادرة الرمزية تنقل الاحتجاج من الشارع والمؤسسات إلى مشهد بصري مؤثر في قلب الجغرافيا المتوترة، عند تخوم البحر الذي يفصل المحتجّين عن أحبائهم.
رسالة مزدوجة
الرمزية التي انطوت عليها هذه الخطوة تتجاوز مجرّد التحرك الاحتجاجي، فهي تحمل رسالة مزدوجة: داخلية موجهة للحكومة الإسرائيلية التي تواجه انتقادات متصاعدة من عائلات الرهائن لتقاعسها في إعادة ذويهم، وخارجية موجهة للمجتمع الدولي، تطلب منه التدخل العاجل لإنهاء معاناة المحتجزين في غزة. كلمات يهودا كوهين، والد أحد الرهائن، جاءت صارخة ومباشرة عبر مكبر الصوت: «النجدة، نحن بحاجة إلى كل مساعدة دولية»، في تعبير صريح عن شعور متزايد بالعزلة والخذلان.
هذا التحرك يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يراوح ملف الرهائن مكانه في مفاوضات متقطعة وغير مثمرة بين إسرائيل وحماس، برعاية إقليمية ودولية لم تنجح حتى الآن في كسر الجمود. وفي ظل تصاعد العمليات العسكرية، يبدو أن الأمل في حل قريب يتضاءل، ما يدفع العائلات إلى اللجوء إلى وسائل ضغط غير تقليدية.
تصعيد ضد حكومة نتنياهو
إلى جانب البعد الإنساني، فإن تحرك أقارب الرهائن على هذا النحو قد يُقرأ أيضًا كنوع من التصعيد الرمزي تجاه حكومة نتنياهو، التي تواجه اتهامات متزايدة بالتقاعس، بل وباستخدام قضية الرهائن كورقة تفاوضية أكثر من كونها أولوية إنسانية. العديد من العائلات أصبحت ترى أن استمرار الحرب لا يقرّبهم من ذويهم، بل يزيد من احتمالات فقدانهم نهائيًا، خصوصًا بعد إعلان إسرائيل أن 27 من أصل 49 رهينة ما زالوا في غزة قد لقوا مصرعهم.
في الخلفية، ثمة أزمة ثقة متزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي بين القيادة السياسية وعائلات الرهائن، في وقت يتضاءل فيه الرهان على القوة العسكرية وحدها لحل هذه الأزمة. وفي المقابل، فإن استمرار حماس في الاحتفاظ بالرهائن، رغم الضغوط العسكرية، يبرز تعقيدات التفاوض والموقف السياسي المعقد لكلا الطرفين.
تحوُّل المشهد الاحتجاجي من البر إلى البحر هو محاولة لاختراق حالة الجمود الإعلامي والسياسي التي تطوّق ملف الرهائن. إنه نداء أخير، بحريّ الطابع، يتردد صداه في العالم: هناك بشر محتجزون، وهناك عائلات ترفض الصمت، والبحر – كعنصر مشترك بين الجانبين – أصبح منصة للصوت الذي لم يُسمع بعد بما يكفي.






