تكشف المعطيات الواردة من الصحف الإسرائيلية والأميركية عن عمق الانقسام داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية بشأن خطة احتلال قطاع غزة بالكامل. فخلال اجتماع مجلس الوزراء الأمني، الذي استمر عشر ساعات، برزت معارضة شبه جماعية من قادة الأجهزة الأمنية للخطة، إذ اعتبرها رئيس الأركان إيال زامير “فخا إستراتيجيا” يهدد بإنهاك الجيش الإسرائيلي لسنوات ويعرض حياة الأسرى للخطر. هذا التوصيف يعكس قناعة أمنية بأن الاحتلال الشامل سيستنزف القدرات العسكرية ويخلق التزامات طويلة الأمد دون ضمان تحقيق أهداف إستراتيجية حاسمة.
تناقض الرؤية السياسية
رئيس مجلس الأمن القومي تساحي هنغبي بدوره ركز على البعد الإنساني والضغط الداخلي، إذ أشار إلى صور الأسرى الإسرائيليين التي تظهر معاناتهم من الجوع والهزال، مؤكدا رفضه التفريط بفرصة إنقاذ عدد منهم عبر وقف إطلاق النار والتفاوض. هذا الموقف يسلط الضوء على تناقض بين الرؤية السياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يدفع نحو “خطة كل شيء أو لا شيء”، وبين حسابات بعض المسؤولين الأمنيين الذين يرون أولوية في معالجة ملف الأسرى قبل أي تصعيد إضافي.
على الجانب العملي، تشير تقارير وول ستريت جورنال إلى أن أحد العوائق الجوهرية أمام السيطرة الكاملة على غزة يتمثل في نقص القوى البشرية، خاصة مع تزايد إرهاق جنود الاحتياط وتهديد بعضهم بعدم العودة إذا تم استدعاؤهم مجددا. هذا النقص يعقد إمكانية شن عملية سريعة وحاسمة، ويدفع بعض القادة العسكريين إلى تفضيل عمليات تدريجية لتقليل الضغط على الجيش.
البعد الإنساني والسياسي للأسرى يفرض نفسه مجددا في تحليل نيويورك تايمز، إذ يحذر مسؤولون وقادة عسكريون متقاعدون من أن الخطة قد تؤدي مباشرة إلى مقتل الأسرى، وتفاقم معاناة عائلاتهم، وتلحق ضررا بمكانة إسرائيل الدولية واقتصادها. كما يذهب الجنرال المتقاعد غادي شامني إلى أن الضغط العسكري لن يؤدي إلى استعادة الأسرى أو القضاء على حماس، بل قد يعمق الأزمة ويطيل أمد الصراع.
حسابات المخاطر
ورغم هذه التحفظات، تمضي الحكومة الإسرائيلية في خطة تهدف إلى السيطرة على مدينة غزة، وتوزيع المساعدات خارج مناطق القتال، مع فرض إدارة مدنية بديلة لا ترتبط بحماس أو السلطة الفلسطينية. لكن الواقع الميداني يشير إلى أن الجيش يسيطر بالفعل على نحو 75% من مساحة القطاع، ما يعني أن أي تقدم إضافي نحو السيطرة الكاملة سيكون مكلفا عسكريا وسياسيا، وقد يفاقم الانقسام الداخلي بين المستويين السياسي والعسكري.
تكشف هذه المعطيات عن صراع عميق بين أهداف الحكومة الإسرائيلية وطموحاتها من جهة، وبين حسابات المخاطر والقدرات الفعلية كما يراها القادة العسكريون من جهة أخرى. هذا الانقسام قد يشكل عاملا مؤثرا في مسار الحرب على غزة، وربما يفرض في النهاية مراجعة أو تعديل للخطة الحالية تحت ضغط الواقع الميداني والإنساني.






