تشير التطورات الأخيرة في المشهد الإسرائيلي إلى تصاعد حدة الانقسامات الداخلية بشأن خطة احتلال غزة، في ظل استمرار الضغوط الدولية ومساعي الوسطاء للتوصل إلى اتفاق يوقف الحرب. مصادقة الحكومة الإسرائيلية على تجنيد عشرات الآلاف من جنود الاحتياط تعكس استعداداً ميدانياً لعملية عسكرية واسعة النطاق، إلا أن الانتقادات التي وجّهها قادة الأجهزة الأمنية، كما نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، تؤكد وجود تحفظات جوهرية على الجدوى الإستراتيجية والإنسانية لهذه الخطوة. التحذيرات من أن الخطة تمثل “فخاً إستراتيجياً” يهدد بإطالة أمد استنزاف الجيش وتعريض حياة الأسرى للخطر، تسلط الضوء على انقسام المؤسسة العسكرية نفسها حول خيارات الحسم.
أزمة ثقة في القيادة السياسية
النقاش الذي امتد لعشر ساعات داخل المجلس الوزاري الأمني، والذي شهد مواجهة مباشرة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، يكشف عن أزمة ثقة في القيادة السياسية والعسكرية. مواقف بعض الوزراء، مثل رئيس مجلس الأمن القومي تساحي هنغبي الذي شدد على أولوية إنقاذ الأسرى على حساب التصعيد الشامل، تعكس ضغطاً إنسانياً وسياسياً متنامياً، خاصة مع صور الأسرى التي تظهر معاناتهم من الجوع والهزال. في المقابل، يرى قادة ميدانيون مثل العميد المتقاعد أمير أفيفي أن التحديات اللوجستية ونقص القوى البشرية تجعل التقدم التدريجي خياراً أقل خطورة من الاجتياح الكاسح.
التحفظات داخل الجيش تتقاطع مع مؤشرات تراجع المعنويات بين جنود الاحتياط، إذ هدد بعضهم بعدم العودة للقتال، وهو ما قد يقوّض قدرة إسرائيل على إدارة عملية طويلة الأمد. هذا التآكل في الحافز القتالي يتزامن مع ضغط خارجي من الولايات المتحدة ووسطاء إقليميين مثل قطر ومصر لإحياء مسار المفاوضات، بينما يترك نتنياهو الباب مفتوحاً ــ ولو نظرياً ــ أمام وقف العملية في حال تحقق تقدم دبلوماسي.
انقسام الحكومة الإسرائيلية
على المستوى الدولي، يبرز موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أكد أن قرار احتلال غزة “متروك لإسرائيل”، في إشارة فُسرت كضوء أخضر سياسي لنتنياهو، رغم الاعتراضات العربية والدولية. ومع ذلك، فإن استمرار الانقسامات الداخلية، إلى جانب المخاطر الإنسانية الكارثية المترتبة على أي اجتياح شامل، يجعل من الصعب التكهن بمدى قدرة الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ خطتها دون مواجهة أزمة سياسية وأمنية موازية.
هذه المعادلة المعقدة تضع إسرائيل أمام مفترق طرق بين تصعيد قد يستنزفها أكثر، أو الدخول في مسار تفاوضي قد يحد من أهدافها العسكرية لكنه يمنحها مكاسب سياسية وإنسانية على المدى القريب.






