سجّلت تونس خلال الموسم الزراعي الحالي قفزة نوعية في إنتاج الحبوب، مكّنتها من تغطية أكثر من 60 بالمئة من حاجياتها الاستهلاكية، وهو تطور ملحوظ مقارنة بمعدلات سابقة لم تتجاوز عتبة 30 بالمئة، ما يعزز آمال البلاد في تقليص تبعيتها للأسواق الخارجية.
ويأتي هذا الإنجاز في وقت تعاني فيه الأسواق العالمية من اضطرابات متكررة وارتفاع في الأسعار، ما يزيد من أهمية هذا التحول في تقليص الضغط على الميزانية العمومية المخصصة لتوريد الحبوب، ودعم استقرار التوازنات المالية للدولة.
وأكد وزير الزراعة التونسي أن صابة هذا الموسم تجاوزت 1.8 مليون طن، مع تجميع قرابة 90 بالمئة من الحصاد، مقارنة بـ1.1 مليون طن في الموسم السابق، وهو أفضل رقم يُسجل خلال المواسم الخمسة الماضية التي اتسمت بالجفاف ونقص حاد في منسوب المياه بالسدود نتيجة التغيرات المناخية.
وبلغت كميات الحبوب المجمعة في مراكز التجميع، حتى 13 يوليو الجاري، نحو 10.869 مليون قنطار، منها 94.2 بالمئة موجهة للاستهلاك، بحسب بيانات صادرة عن ديوان الحبوب.
وتوزعت هذه الكميات على 6.8 مليون قنطار من القمح الصلب، وأكثر من نصف مليون قنطار من القمح اللين، إضافة إلى 2.8 مليون قنطار من الشعير.
وكان الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري قد توقّع نهاية يونيو أن تغطي صابة هذا الموسم حوالي 60 بالمئة من الحاجيات الداخلية، في ارتفاع لافت عن المعدل السنوي المسجل خلال السنوات الأخيرة.
ويُنظر إلى هذا التطور على أنه خطوة متقدمة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وهو الهدف الذي لطالما رفعته الحكومات المتعاقبة دون أن تتمكن من تحقيقه بشكل فعلي. كما أن خفض واردات الحبوب سيساهم في تقليص العجز التجاري وتوفير العملة الصعبة، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة مالية واقتصادية خانقة.
ويرى خبراء في القطاع الزراعي أن موسم 2025 قد يمثل نقطة تحول حقيقية في مسار استعادة السيادة الغذائية، لكنه يظل مرهونًا بإرادة سياسية واضحة، واستمرارية الدعم المؤسسي للمزارعين، بما في ذلك توفير الحوافز، وتأمين البذور المحسّنة، وتطوير شبكات الري والبنية التحتية الزراعية.
وأشار تقرير لوكالة الأنباء الرسمية إلى أن وزارة الزراعة لعبت دورًا محوريًا في بلوغ هذه النتائج، من خلال تركيز جهودها على دعم الأصناف المحلية المستنبطة من قبل المعهد الوطني للبحوث الزراعية.
ومن بين أبرز هذه الأصناف القمح الصلب “معالي”، الذي يغطي أكثر من 40 بالمئة من المساحات المزروعة، إلى جانب أصناف أخرى مثل “ذهبي”، “كنوز”، و”سليم”، المعروفة بقدرتها العالية على مقاومة الأمراض، وتحقيق إنتاجية كبيرة في ظل ظروف مناخية صعبة ومتقلبة.
ويجمع المراقبون على أن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في الحفاظ على هذا النسق الإيجابي، وتحويل موسم 2025 من استثناء ظرفي إلى بداية لمسار استراتيجي لتحقيق الاستقلال الغذائي المنشود.





