في زيارة تحمل أبعادًا متعددة، حطّت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني رحالها في تونس يوم 31 يوليو 2025، في إطار جولة تهدف بالأساس إلى مناقشة ملف الهجرة والتعاون الاقتصادي.
غير أن الزيارة أثارت اهتمامًا واسعًا لدى الدوائر الدفاعية والإعلامية، بعدما ظهرت إشارات قوية إلى نية الجانب الإيطالي توسيع نطاق التعاون مع تونس في قطاع الصناعات الجوية، وخاصة في مجال الطيران الخفيف والتدريب العسكري.
تعاون دفاعي محتمل بين تونس وإيطاليا
التقارير الصادرة عن وسائل إعلام مختصة في الشؤون الدفاعية، أشارت إلى أن شركة “ليوناردو” الإيطالية – إحدى أكبر شركات الصناعات الجوية في أوروبا – تضع تونس على قائمة أولوياتها في منطقة شمال أفريقيا.
تهدف الشركة إلى تقديم حزمة متكاملة تتضمن تدريبًا متقدمًا للكوادر الجوية التونسية، وتوريد طائرات خفيفة صالحة للاستخدام الأمني والمدني، بالإضافة إلى إمكانية إنشاء مراكز صيانة محلية بالتعاون مع مؤسسات تونسية.
ويبدو أن هذا التوجه الإيطالي يتماشى مع سياسة تونس الأخيرة في تنويع شركائها في مجالات الدفاع والتسليح، بعدما أبرمت في السنوات الماضية صفقات مع تركيا لشراء طائرات مسيرة من طراز “أنكا-إس”.
كما تعاقدت مع شركة “إندرا” الإسبانية لتوريد رادارات مراقبة جوية متوسطة وطويلة المدى. كما شاركت القوات التونسية مؤخرًا في مناورات “أفريكان لايون 2025” بالتعاون مع الجيش الأمريكي، وشهدت هذه التمارين استخدام منظومات رادارية حديثة من طراز “سينتينيل”.
الأهداف الاستراتيجية لإيطاليا
في المقابل، تسعى إيطاليا من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز مجرد بيع المعدات. فهي تطمح إلى ترسيخ وجودها في سوق شمال أفريقيا الدفاعي، في مواجهة منافسة متصاعدة من قبل تركيا وفرنسا
كما تأمل روما في استثمار هذه العلاقة الثنائية لتعزيز نفوذها الجيوسياسي، وفتح منافذ اقتصادية جديدة أمام شركاتها الدفاعية.
تحديات أمام الجانب التونسي
غير أن هذا الانفتاح التونسي على الشراكة الدفاعية الإيطالية لا يخلو من التحديات. فالميزانية العامة للدولة تواجه ضغوطًا كبيرة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وهو ما قد يقيّد قدرة الحكومة على الدخول في صفقات كبرى.
كما أن توسع التعاون مع شريك جديد مثل إيطاليا قد يثير حساسية لدى أطراف إقليمية أخرى، خاصة تركيا التي سبق أن نسجت علاقات دفاعية متقدمة مع تونس.
سيناريوهات التعاون المحتمل
في ضوء هذه المعطيات، تبرز عدة سيناريوهات محتملة. أولها أن تتطور المباحثات إلى شراكة فعلية تشمل توقيع عقود تدريب وتسليح خفيف، وهو ما يمنح تونس دفعة قوية في تحديث سلاحها الجوي.
أما السيناريو الثاني، فهو أن تظل العلاقة في إطار التعاون الفني والتدريب دون التزامات مالية كبيرة، تجنبًا للضغوط الاقتصادية. بينما يبقى احتمال التأجيل أو الانسحاب واردًا في حال تعرقلت المفاوضات أو اصطدمت بحسابات إقليمية معقدة.
مفترق طرق استراتيجي
في المحصلة، تقف تونس اليوم أمام مفترق طرق استراتيجي في مسارها الدفاعي. وبين الحاجة إلى تطوير قدراتها العسكرية، والرغبة في الحفاظ على التوازنات الإقليمية والاستقرار الاقتصادي، يبقى القرار النهائي رهن رؤية القيادة التونسية.
فهل نشهد قريبًا إعلان شراكة تونسية-إيطالية جديدة تُعيد رسم خريطة التعاون العسكري في المنطقة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.






