في تطور يُنذر بتصعيد عسكري واسع النطاق، لوّح رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، الأربعاء، بإمكانية تكثيف الهجمات البرية والجوية ضد قطاع غزة، ما لم تُفضِ المفاوضات الجارية في الدوحة إلى اتفاق مع حركة حماس خلال الأيام القليلة المقبلة. التحذير الإسرائيلي يأتي في سياق تقييم ميداني للوضع أجراه زامير برفقة قائد المنطقة الجنوبية، اللواء يانيف عاسور، في القطاع المحاصر.
تصريحات زامير لم تترك مساحة كبيرة للغموض، إذ تحدث عن “منعطف حاسم” سيتحدد خلال أيام، سيُكشف خلاله ما إذا كانت صفقة إطلاق سراح الأسرى ستُنجز، أو أن إسرائيل ستتجه نحو “توسيع وتكثيف القتال قدر الإمكان”، على حد وصفه.
مفاوضات تتقدم ببطء في ظل عدّ تنازلي ميداني
المفاوضات غير المباشرة التي ترعاها قطر منذ 6 يوليو/تموز الجاري، لم تخرج حتى الآن من دائرة الغموض. ومع أن تقارير عدة تحدثت عن تقارب في بعض البنود، إلا أن الموقف الإسرائيلي بقي حبيس التصريحات المتشددة، التي تعكس انقساماً داخل دوائر صنع القرار بين من يرى ضرورة إنجاز صفقة شاملة، وآخرين، أبرزهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يفضلون تسويات جزئية تتيح إبقاء الحرب مفتوحة، خدمةً لمصالح سياسية داخلية.
وبحسب تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، تحتفظ حماس بما يقارب 50 أسيرًا إسرائيليًا، من بينهم نحو 20 على قيد الحياة. في المقابل، تقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 10 آلاف و800 حالة اعتقال سياسي فلسطيني، يواجهون ظروفاً وُصفت من قِبل مؤسسات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية بأنها “لا إنسانية”، تشمل التعذيب، الإهمال الطبي، والتجويع، ما أدى إلى وفاة العشرات، بينهم أطفال ونساء.
زامير: “إما اتفاق.. أو نوسّع النيران”
أوضح زامير خلال زيارته لغزة أن القوات الإسرائيلية ستتموضع في حال إبرام اتفاق وفق تعليمات القيادة السياسية. أما في حال الفشل، فقد وجّه تعليماته صراحة إلى القيادة الجنوبية باستعدادات لـ”توسيع العمليات ودخول مناطق إضافية”، مشيرًا إلى أن العمليات الحالية ستستمر بوتيرة أعلى.
التهديدات العسكرية الإسرائيلية لا تأتي بمعزل عن واقع ميداني كارثي يعيشه القطاع منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. هذه الحرب التي وصفتها جهات حقوقية دولية بـ”الإبادة الجماعية” لم تتوقف رغم صدور أوامر ملزمة من محكمة العدل الدولية تطالب إسرائيل بوقف العمليات القتالية.
وبحسب آخر الإحصاءات، تجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين في غزة 198 ألفًا بين شهيد وجريح، غالبيتهم من النساء والأطفال، مع وجود أكثر من 10 آلاف مفقود تحت الأنقاض. كما تسبب القصف والحصار في مجاعة خانقة أودت بحياة عشرات الأطفال، فضلًا عن تهجير مئات الآلاف من السكان قسرًا.
اتفاقات جزئية.. ومراوغات مستمرة
رغم عقد جولات تفاوضية عديدة بين إسرائيل وحماس منذ بداية الحرب، لم تُثمر سوى اتفاقين جزئيين: الأول في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، والثاني في يناير/كانون الثاني 2025. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، تهرب من تنفيذ بقية بنود الاتفاق الثاني، واستأنف العمليات العسكرية في مارس/آذار الماضي.
وتُحمّل جهات دولية ومعارضة إسرائيلية نتنياهو مسؤولية عرقلة أي مسار تفاوضي شامل، معتبرة أن سعيه لإرضاء شركائه من اليمين المتطرف، لا سيما وزير الأمن إيتمار بن غفير، يدفعه إلى الإبقاء على الحرب كأداة سياسية للبقاء في الحكم.
حماس مستعدة لـ”صفقة كاملة”
على الجانب الآخر، أكدت حماس مرارًا استعدادها لتنفيذ اتفاق شامل يضمن الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة، مقابل وقف العدوان وانسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة. الحركة تُصر على أن استمرار الحرب يضاعف المعاناة الإنسانية، ويقوّض أي أمل في عودة الحياة المدنية إلى القطاع.
وفي ظل المأزق السياسي والعسكري، تترقب المنطقة الساعات المقبلة التي قد تحمل ملامح “اتفاق الفرصة الأخيرة”، أو انفجارًا جديدًا يُدخل غزة في فصل أشد دموية من الحرب.





