في مواجهة غير مسبوقة مع الطبيعة، أعلنت السلطات الإيرانية إغلاق المباني العامة والبنوك في العاصمة طهران وعدد من المحافظات، في محاولة لمواجهة موجة حر خانقة تضرب البلاد، حيث تخطت درجات الحرارة في بعض المناطق حاجز الـ52 درجة مئوية، وسط أزمة متفاقمة في موارد المياه والطاقة.
وقالت هيئة الأرصاد الجوية الإيرانية إن 9 محافظات من أصل 31 وُضعت في حالة تأهب برتقالية، متوقعة استمرار موجة الحر حتى نهاية الأسبوع، مع ارتفاع الحرارة إلى 50 درجة مئوية أو أكثر، لا سيما في جنوب البلاد.
الأحواز تحترق.. وعبادان في صدارة حرارة العالم
جنوب إيران، وتحديدًا محافظة الأحواز، يتحمل العبء الأكبر من موجة الحر الحالية، حيث سجّلت مدينة عبادان النفطية، الواقعة على ضفاف شط العرب، واحدة من أعلى درجات الحرارة المسجلة على مستوى العالم خلال الـ24 ساعة الماضية. ومع وصول الحرارة إلى 52 درجة، باتت المنطقة ساحة اختبارات لتحمل الإنسان والموارد الطبيعية لهذا المستوى الحارق من الطقس.
في محاولة لتقنين استهلاك الكهرباء والمياه، قررت السلطات تعطيل أنشطة الهيئات التنفيذية في طهران الأربعاء، وفق ما أعلنه محافظ العاصمة محمد صادق معتمديان. القرار استثنى المنشآت الطبية وفروع البنوك والشركات الخاصة، لكنه يمثل ثاني قرار من هذا النوع خلال صيف 2025.
يُذكر أن الحكومة كانت قد اتخذت قرارًا مشابهًا سابقًا خلال يوليو، ما يشير إلى تصاعد الأزمة وبلوغها مستوىً مقلقًا يستدعي إجراءات استثنائية.
تراجع خطير في منسوب السدود.. وخطر جفاف يلوح بالأفق
بحسب تقارير محلية، تراجعت مستويات المياه في خزانات السدود إلى أدنى معدل منذ قرن، ما دفع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى التحذير من احتمال حدوث نقص حاد في المياه بحلول سبتمبر المقبل، إذا لم يُكبح جماح الاستهلاك المتزايد.
وتواجه البلاد أزمة متصاعدة في توفير الكهرباء، إذ تنتج إيران حوالي 62 ألف ميغاواط في ذروة الإنتاج، بينما تحتاج إلى 80 ألف ميغاواط لتلبية الطلب، ما يؤدي إلى انقطاعات كهربائية متكررة قد تصل إلى 4 ساعات يوميًا.
آثار اقتصادية مباشرة.. المصانع تتوقف والإنتاج يتراجع
القطاع الصناعي الإيراني لم يسلم من هذه الأزمة، إذ كشفت بيانات رسمية عن تراجع إنتاج صناعات الحديد والصلب إلى أدنى مستوياته منذ جائحة “كوفيد-19” عام 2020.
المصانع تعاني من انقطاعات كهرباء تصل إلى 4 أيام أسبوعيًا، مما يؤثر على خطوط الإنتاج ويدفع بعدد من الشركات إلى تخفيض طاقتها التشغيلية أو إغلاق مؤقت.
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الحرارة فحسب، بل تمتد إلى مخاطر جغرافية وبيئية. فمع انخفاض منسوب المياه الجوفية، حذّر خبراء من احتمال تعرض مناطق في طهران وغيرها لهبوط مفاجئ أو تدريجي في الأرض، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للبنية التحتية والسكان.
وقد وُجهت انتقادات حادة للسياسات الحكومية في إدارة الموارد المائية، خاصة في ما يتعلق بتحويل مجاري الأنهار وبناء عشرات السدود التي تؤثر على توزيع المياه بين المحافظات.
العقوبات و”إرث الإهمال” يعرقلان إصلاح البنية التحتية
من جهتها، تلقي وسائل الإعلام الرسمية باللوم على العقوبات الأميركية في تأخير تطوير شبكة الكهرباء، بسبب صعوبة الحصول على قطع الغيار وصيانة المعدات. وتبقى محطة بوشهر النووية، التي أنشئت بمساعدة روسية، المصدر النووي الوحيد للطاقة في البلاد، وتنتج 1000 ميغاواط فقط، مع توقف سنوي لأعمال الصيانة.
تشير توقعات الأرصاد إلى استمرار موجة الحر خلال الأيام الخمسة المقبلة على الأقل، مما يضاعف من الضغط على البنية التحتية المتهالكة، ويهدد باستمرار أزمة الكهرباء والمياه، وسط دعوات عاجلة لترشيد الاستهلاك وإعادة النظر في السياسات المائية والطاقة.
ويبقى السؤال: هل تستطيع إيران الصمود أمام هذا الصيف الذي تصفه وسائل الإعلام بأنه “الأشد حرارة منذ عقود”، أم أن البلاد تتجه نحو أزمة ممتدة تهدد الحياة اليومية لملايين المواطنين؟






