لم يكن إنهاء تشكيل الفرقة 40 ودمج عناصرها ضمن الهيكلية العسكرية الجديدة في سوريا مجرد إجراء إداري؛ فقد رافقته توترات واحتجاجات بين عدد من عناصرها، على خلفية تغييرات في مواقع القيادة ومعايير إعادة توزيع العسكريين. وبلغ التوتر ذروته أواخر سبتمبر/أيلول، خلال تجمع في معسكر خربة الشيّاب بريف دمشق، حيث تحدثت مصادر محلية عن مشادات واعتداءات، بالتزامن مع قرار إنهاء الفرقة وإعادة تنظيم عناصرها ضمن تشكيلات أخرى.
وتكشف الروايات المنشورة عن مسارين متداخلين: خلاف مباشر تطور إلى مواجهة داخل المعسكر، واعتراضات أوسع على إبعاد قادة من أبناء درعا عن مناصبهم. وبينما تضع بعض الروايات الحادثة في إطار مشادة بين أفراد، تربطها مصادر أخرى بعملية إعادة الهيكلة وما أثارته من تساؤلات بشأن توزيع النفوذ والقيادة داخل المؤسسة العسكرية الجديدة.
من مشادة داخلية إلى إنهاء التشكيل
وفق رواية نقلها قاسم الحريري، وهو عنصر سابق في الفرقة 40، بدأ الخلاف مع شخص يُعرف باسم «أبو قتيبة»، يبلغ من العمر 22 عاماً وينحدر من محافظة إدلب، وكان يشغل منصب قائد كتيبة في الفرقة. وقال الحريري إن عبارات صدرت عنه اعتبرها عناصر مسيئة، قبل أن يتطور الخلاف إلى اعتداء جسدي وطرده من التشكيل، ثم إطلاق نار في الهواء.
وتداول مستخدمون مقاطع مصورة قيل إنها مرتبطة بتداعيات الحادثة، لكن المواد المتاحة لا تتيح التحقق المستقل من جميع تفاصيلها أو تحديد المسؤوليات الفردية بصورة قاطعة.
وفي رواية منفصلة، نقل موقع «درعا 24» عن ضابطين في الفرقة أن التوتر وقع خلال تجمع خُصص لترتيب الهيكلية العسكرية وتسوية أوضاع العناصر تمهيداً لدمجهم ضمن الفيلق الرابع. وأوضح أحدهما أن قادة عسكريين أبلغوا المجتمعين في 28 سبتمبر/أيلول بإنهاء تشكيل الفرقة 40 وإنشاء لواء جديد يضم كتائب من حمص وحماة وإدلب.
ولا تتوافر، حتى الآن، معلومات رسمية منشورة تفصّل العلاقة الدقيقة بين المشادة وقرار الحلّ، أو تؤكد أن الحادثة وحدها كانت السبب المباشر لإنهاء التشكيل.
تغييرات قيادية تثير اعتراضات
بحسب الضابطين اللذين تحدثا إلى «درعا 24»، شملت التغييرات إعفاء قادة من أبناء درعا كانوا يتولون قيادة ألوية وكتائب، ونقل بعضهم إلى مواقع أدنى. وقالا إن العناصر احتجوا خلال الليل على عزل قادتهم، مطالبين بالإنصاف، قبل نقلهم بالحافلات إلى درعا صباح اليوم التالي.
من جهته، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الفرقة 40 كانت تضم، وفق المعلومات التي نشرها، ثلاثة ألوية وسبع كتائب ونحو 40 سرية، وأن غالبية قياداتها كانت من أبناء محافظة درعا. وأشار إلى أن عملية الفرز وإعادة التوزيع أثارت استياءً لدى عناصر وقادة رأوا أن التغييرات قلّصت حضور أبناء المنطقة في مواقع القيادة. وهذه الأرقام تقديرات أوردها المرصد، وليست حصيلة رسمية منشورة من وزارة الدفاع.
وتكتسب هذه الاعتراضات أهمية إضافية بالنظر إلى أن الفرقة تشكلت بعد سقوط النظام السوري السابق، وضمت عناصر وقيادات من المحافظة. ومن ثم، فإن تغيير بنيتها لا يتعلق فقط بتوزيع الأفراد على وحدات جديدة، بل يمس أيضاً مستقبل القيادات المحلية ومكانتها داخل المؤسسة العسكرية.
بين تجاوز المناطقية ومخاوف الإقصاء
بحسب الضابطين، قُدّمت التغييرات باعتبارها جزءاً من بناء جيش يتجاوز الانتماءات المناطقية والعشائرية. وفي المقابل، رأى ناشطون نقلت عنهم «درعا 24» أن إعادة ترتيب التشكيلات تشمل مناطق سورية مختلفة، وأنها تندرج ضمن عملية أوسع لتغيير بنية القوات، لا تستهدف درعا وحدها.
لكن غياب التفاصيل الرسمية عن معايير اختيار القادة وآليات الفرز أبقى المجال مفتوحاً أمام تفسيرات متباينة. فبينما يمكن أن تكون إعادة توزيع المناصب جزءاً من مساعي توحيد التشكيلات المسلحة تحت قيادة مركزية، فإن إبعاد قيادات محلية من دون توضيح المعايير قد يغذي الشعور بالتهميش، خصوصاً لدى عناصر يمتلكون خبرة عسكرية سابقة.
ولا تكفي المعلومات المتاحة لإثبات أن الانتماء الجغرافي كان العامل الحاسم في التعيينات، كما لا تسمح باستبعاد هذا العامل بصورة نهائية. ويتطلب تقييم المسألة بيانات واضحة بشأن المؤهلات والخبرة والتسلسل القيادي الذي استندت إليه قرارات التعيين والإعفاء.
توتر يتجاوز حدود الفرقة
في 29 سبتمبر/أيلول، أفاد المرصد السوري بأن غالبية عناصر الفرقة من أبناء درعا غادروا مواقع التجمع والفرز في ريف دمشق وعادوا إلى المحافظة، وسط تحركات ووساطات لاحتواء التوتر والتوصل إلى ترتيبات بشأن مستقبل العناصر والقيادات.
ويشير ذلك إلى أن تحدي إعادة الهيكلة لا يقتصر على إصدار القرارات العسكرية، بل يشمل أيضاً ضمان قبولها داخل الوحدات المعنية، وتوضيح مصير العناصر، وتحديد آليات الاعتراض والتظلم. فنجاح عملية الدمج يتوقف، إلى جانب إعادة تنظيم الوحدات، على وضوح المسؤوليات والحقوق والمعايير التي تحكم الترقية والتكليف.






