في وقت تتواصل فيه المساعي لإنهاء الحرب مع إيران، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع البرنامج النووي الإيراني في صدارة شروط التسوية، ملوّحًا بإمكانية العودة إلى هجمات عسكرية واسعة النطاق، حتى بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وفي مقابلة مطوّلة مع مجلة «تايم»، نُشرت الخميس الأول من أكتوبر/تشرين الأول، جدّد ترامب تأكيده أن طهران ستضطر في نهاية المطاف إلى القبول بالشروط النووية الأميركية، مشددًا على أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل هدفًا محوريًا للعمليات العسكرية والضغوط الاقتصادية التي تمارسها واشنطن.
وتعكس تصريحات الرئيس الأميركي تمسك إدارته بجعل الملف النووي محورًا لأي اتفاق محتمل، في وقت تتداخل فيه المفاوضات مع ملفات شديدة الحساسية، تشمل مستقبل العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، والحصار البحري، وحدود التنازلات التي يمكن أن يقدمها الطرفان لإنهاء النزاع.
النووي أولًا.. ولا اتفاق بلا تنازلات إيرانية
لم يقدّم ترامب الملف النووي باعتباره بندًا تفاوضيًا يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة، بل وضعه في صلب أي تسوية محتملة. وخلال المقابلة، شدد على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مستندًا إلى هذا الهدف في تبرير استمرار الضغط العسكري والاقتصادي على طهران.
ويشير هذا الموقف إلى أن واشنطن لا تنظر إلى إنهاء المواجهة العسكرية باعتباره غاية منفصلة عن مستقبل البرنامج النووي الإيراني؛ إذ تسعى الإدارة الأميركية إلى ربط أي تسوية بقيود تحقق أهدافها المعلنة بشأن القدرات النووية الإيرانية.
لكن التمسك بهذه الشروط يترك مساحة محدودة للتوافق إذا لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى صيغة مشتركة بشأن طبيعة الالتزامات النووية وتسلسل تنفيذها.
مضيق هرمز والحصار البحري.. أوراق ضغط متشابكة
لا تقتصر المفاوضات على الملف النووي، بل تمتد إلى مضيق هرمز، أحد الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية، وإلى الحصار البحري المفروض على إيران.
وتشير تقارير حديثة إلى أن جهود الوساطة تبحث عن ترتيبات مؤقتة تسمح باستئناف حركة الملاحة وتخفيف القيود البحرية، مقابل خطوات إيرانية وأميركية متبادلة، على أن تُستكمل المفاوضات بشأن القضايا الأوسع، بما فيها العقوبات والبرنامج النووي. غير أن الخلافات بشأن ترتيب هذه الخطوات لا تزال تعرقل التوصل إلى اتفاق.
ويجعل تداخل هذه الملفات التسوية أكثر تعقيدًا؛ فالتفاهم بشأن الملاحة لا يعني بالضرورة حسم الخلاف النووي، كما أن الاتفاق على ترتيبات نووية لن يحل تلقائيًا جميع النزاعات المرتبطة بالعقوبات والحصار.
انتخابات نوفمبر.. موعد سياسي أم محطة للتصعيد؟
أثار حديث ترامب عن احتمال تكثيف القصف بعد انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني تساؤلات بشأن المسار الذي قد تسلكه الحرب خلال الأسابيع المقبلة. وعندما سُئل مباشرة عن إمكانية تصعيد الهجمات بعد الانتخابات، أجاب بأن ذلك «ممكن»، من دون أن يقدم تفاصيل عن طبيعة العمليات المحتملة أو توقيتها.
ومع ذلك، لا تعني هذه التصريحات أن قرارًا نهائيًا باستئناف الهجمات قد اتُّخذ، بل إنها تُبقي الخيار العسكري مطروحًا في الخطاب الأميركي بالتوازي مع المساعي الدبلوماسية.
ويظل الربط الزمني بين التصعيد المحتمل والانتخابات مسألة تستحق المتابعة، من دون أن يكفي وحده لإثبات وجود قرار بتأجيل العمليات العسكرية لأسباب انتخابية.
طهران أمام معادلة الضغط والمواجهة
في المقابل، تشير تقارير صحفية إلى أن إيران تواصل التحرك دبلوماسيًا، بالتزامن مع إعداد خطط للرد على أي هجوم أميركي جديد. ووفقًا لتقرير نشرته رويترز في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، يدرس مسؤولون عسكريون إيرانيون خيارات رد أوسع إذا استؤنفت الهجمات، مع استمرار المساعي لتجنب مزيد من التصعيد.
ويضع هذا المشهد المفاوضات أمام معادلة دقيقة: واشنطن تتمسك بشروطها النووية وتحتفظ بخيار القوة، بينما تسعى طهران إلى معالجة ملفات الحصار والعقوبات بالتوازي مع الحفاظ على قدرتها على الردع.
وفي ظل هذه المعطيات، لا تبدو تصريحات الطرفين كافية وحدها للحكم على فرص التوصل إلى اتفاق قريب، خصوصًا مع استمرار الخلافات بشأن الشروط المطلوبة والضمانات المتبادلة. اتفاق مشروط أم عودة إلى المواجهة؟
تكشف تصريحات ترامب أن الملف النووي لا يزال العقدة المركزية في مسار إنهاء الحرب، وأن الإدارة الأميركية لا تستبعد العودة إلى الخيار العسكري إذا لم تُلبَّ شروطها. لكن المسار النهائي سيظل مرتبطًا بما ستسفر عنه المفاوضات، وبقدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي ومضيق هرمز والحصار البحري.
وبين التهديد العسكري والتحركات الدبلوماسية، تبقى الأسئلة الأساسية مفتوحة: هل تنجح الوساطات في صياغة تسوية مرحلية تمهّد لاتفاق أوسع؟ أم يؤدي تعثر المفاوضات إلى جولة جديدة من التصعيد، تتجاوز آثارها حدود واشنطن وطهران لتطال أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية؟
حتى الآن، يظل استئناف الهجمات احتمالًا أعلنه ترامب، لا قرارًا نهائيًا معلنًا؛ فيما تبقى المفاوضات الاختبار الحاسم لما إذا كان الضغط المتبادل سيفضي إلى تسوية أم إلى مواجهة جديدة.






