إعلان حركة حماس الأخير عن استعدادها للمضي في صفقة شاملة، تتضمن إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين مقابل الأسرى الفلسطينيين، إلى جانب وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، يثير تساؤلات عميقة حول توقيت هذه الخطوة ودلالاتها السياسية. فمنذ اندلاع الحرب التي دخلت عامها الثاني، ظلّت الحركة تراهن على الصمود العسكري والسياسي كأداة ضغط للحصول على مكاسب أكبر، لكن النتيجة كانت دمارًا واسعًا للقطاع، وانهيار البنية التحتية، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، إضافة إلى تهجير مئات الآلاف.
إضعاف الموقف الفلسطيني
الانتقاد الأساسي الموجه إلى حماس في هذا السياق يتمحور حول تأخرها في إبداء مرونة تجاه المبادرات الدولية والإقليمية. ففي حين كان الوسطاء يطرحون منذ شهور عدة صيغًا لوقف إطلاق النار والذهاب إلى صفقة تبادل، اختارت الحركة التمسك بخطاب المواجهة المفتوحة، وهو ما منح إسرائيل فرصة لتوسيع عملياتها العسكرية وتعميق المأساة الإنسانية في غزة. هذا التأخر لم يُترجم إلى مكاسب إضافية على طاولة التفاوض، بل على العكس، أضعف الموقف الفلسطيني العام وأدى إلى تآكل التعاطف الدولي الذي بدا أكثر حضورًا في بدايات الحرب.
أما الإعلان عن القبول بصفقة شاملة الآن، في لحظة تبدو فيها موازين القوى مختلة لصالح إسرائيل، فهو يعكس بشكل غير مباشر اعترافًا من حماس بأنها لم تعد قادرة على مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها. فالمقاومة، رغم صمودها في بعض الجبهات، تواجه ضغطًا إنسانيًا هائلًا من جمهورها الداخلي الذي بات يحمّلها المسؤولية عن إطالة أمد الحرب، إضافة إلى ضغوط سياسية من أطراف إقليمية ترى أن استمرار النزاع يهدد استقرار المنطقة بأسرها.
فشل إستراتيجية الاستنزاف
قد لا تعلن الحركة صراحة أنها هُزمت أو خسرت رهاناتها، لكنها بقبولها تشكيل إدارة وطنية من التكنوقراط لإدارة شؤون غزة، تكون قد أبدت استعدادًا للتخلي عن احتكار السلطة في القطاع، وهو تحول جوهري لا يمكن فصله عن إدراكها محدودية الخيارات المتاحة أمامها. هذا التحول قد يُقرأ بوصفه تراجعًا عن خطاب “التحرير الكامل” إلى خطاب أكثر براغماتية يركز على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
قبول حماس بصفقة شاملة في هذا التوقيت يمكن اعتباره مزيجًا بين الضرورة والاعتراف الضمني بفشل إستراتيجية الاستنزاف الطويل. فهي خطوة تأتي متأخرة بعد أن دفع قطاع غزة أثمانًا كارثية كان بالإمكان تفاديها لو أبدت الحركة مرونة أكبر منذ البداية. ويبقى السؤال الأهم: هل هذا التحول مجرد تكتيك مرحلي لإنقاذ ما تبقى من وجودها السياسي، أم أنه بداية مراجعة أعمق لمسار انتهجته وأثبتت التجربة أنه مكلف إلى حد يفوق قدرتها على تحمله؟






