التصريحات الأخيرة لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، التي دعا فيها إلى إعادة احتلال قطاع غزة واستئناف المشروع الاستيطاني فيه، دفع حركة حماس لإصدار بيان استنكاري، اعتبرت فيه هذه التصريحات دليلاً جديداً على ما وصفته بـ”الطبيعة الاستعمارية الفاشية” لحكومة الاحتلال. البيان لم يخلُ من التنديد المعتاد، والتحذير من انفجار الأوضاع، والدعوة للمجتمع الدولي والعالم العربي لتحمّل مسؤولياتهم. لكن بعيداً عن لهجة الشجب والإدانة، يبرز سؤال ملحّ يتجاوز مجرد ردود الفعل: ماذا تفعل حماس فعلياً لوقف النزيف الفلسطيني المتواصل في غزة؟
الشعب يدفع الثمن
الحقيقة المؤلمة أن حماس تبدو في كثير من مواقفها كأنها تتصرّف من موقع المنتصر، في حين أن الواقع على الأرض يشي بعكس ذلك تماماً. فالدمار الذي حلّ بغزة بعد أشهر من القصف، وعدد الشهداء والجرحى من المدنيين، والانهيار الكامل للبنية التحتية، كلها مؤشرات على أن شعب القطاع هو الذي يدفع الثمن، بينما تكتفي قيادة حماس بالتصريحات النارية التي لا تغيّر شيئاً في ميزان القوى، ولا تخفف معاناة الناس.
لم تعلن الحركة حتى اليوم عن أي مراجعة حقيقية لسياستها، ولا عن استراتيجية جديدة لمواجهة التغيرات السياسية والعسكرية الحاصلة في الإقليم. ما تزال تدير القطاع بنفس الآليات الأمنية والاقتصادية المغلقة، معتمدة على أجهزة أمنية تشدد قبضتها، وعلى منظومة توزيع للمساعدات تخضع لاعتبارات الولاء والتنظيم، في وقت يعاني فيه الناس من الجوع وانعدام الدواء وفقدان الأمل.
تصريحات سموتريتش، مهما كانت خطيرة، ليست مفاجئة. فهي تتسق مع خطّ استيطاني واضح تتبعه حكومة اليمين الإسرائيلي منذ سنوات. غير أن حماس تعرف هذه الحقيقة جيداً، وتدرك أن الاحتلال لا يحتاج إلى ذريعة إضافية لارتكاب جرائمه. رغم ذلك، لا تُبادر الحركة بأي خطوة سياسية أو ميدانية ذات مغزى يمكن أن تُخرج غزة من حالتها الكارثية. لا هدنة تُبنى على أساس وطني مشترك، ولا مصالحة فلسطينية تتحقق، ولا حتى جهود حقيقية لتحريك المياه الراكدة داخلياً.
حماس بلا مسؤولية
المفارقة الكبرى أن حماس تطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته الأخلاقية، بينما تتجاهل هي مسؤولياتها المباشرة أمام من تحكمهم في غزة. من المؤسف أن تتحول المقاومة من مشروع تحرر إلى وسيلة للاحتفاظ بالسلطة. فالتلويح المستمر بالمقاومة دون رؤية سياسية واضحة، أو قدرة على التأثير الفعلي، يُضعف من صدقية هذا الشعار ويحوّله إلى مجرد غطاء لغياب الحلول الحقيقية.
غزة لا تحتاج اليوم إلى بيانات شجب جديدة، بل إلى تحرك عملي يعيد للناس كرامتهم، ويمنحهم أملاً في غد مختلف. أما الاكتفاء بتبادل البيانات بين الاحتلال وحماس، فقد بات أقرب إلى مسرحية مكررة، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.






