تشهد الساحة السياسية الدولية في الآونة الأخيرة تحركًا غير مألوف من جانب الاتحاد الأوروبي، وتحديدًا فرنسا، في محاولة لإعادة تحريك ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. يأتي هذا الحراك في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الاحتقان المتزايد، بعد التصعيد العسكري الأخير في غزة، والتدهور غير المسبوق للأوضاع الإنسانية، فضلًا عن انسداد أفق المفاوضات السياسية التقليدية.
في هذا السياق، بدأت تتبلور ملامح مبادرة أوروبية جديدة، تهدف إلى التوصل إلى تسوية شاملة تقوم على حل الدولتين، ولكن وفق مقاربة مختلفة عمّا سبق طرحه في العقود الماضية. وتعتبر هذه المبادرة في جوهرها بديلاً عن مشروع “ريفيرا الشرق الأوسط”، الذي روّج له خلال السنوات الماضية باعتباره تصورًا اقتصاديًا إسرائيليًا للتطبيع الإقليمي مقابل الحد الأدنى من التنازلات السياسية.
تقوم الخطة الأوروبية على إعادة إحياء مسار حل الدولتين، مع إحداث تغييرات بنيوية داخل الجانب الفلسطيني، خصوصًا في مؤسسات السلطة الفلسطينية، بما يسمح بإعادة تشكيلها وفق أسس ديمقراطية وتشاركية تضمن تمثيلاً سياسيًا أوسع. هذا البُعد الإصلاحي ليس تفصيلاً إجرائيًا فحسب، بل يُعد شرطًا أساسيًا من شروط الدعم الأوروبي، ويُنظر إليه كمدخل لاستعادة الشرعية السياسية والمؤسسية في الضفة الغربية.
أما على صعيد قطاع غزة، فالمبادرة الأوروبية تقترح إزاحة حركة حماس من موقعها الحالي في الحكم، عبر ترتيبات سياسية تضمن دمجها في النظام السياسي الفلسطيني دون أن تبقى ممسكة بالأمن والإدارة المدنية بشكل منفرد. وقد يتم ذلك إما عبر اتفاق مصالحة تدعمه العواصم العربية الرئيسية، أو من خلال صيغة تفرضها الوقائع الميدانية بدعم دولي. الفكرة الجوهرية هنا هي إنهاء الانقسام الفلسطيني، باعتباره العائق الأول أمام أي مسار تفاوضي جاد.
الشق الثالث من المبادرة يتمثل في ما وصفه دبلوماسيون غربيون بـ”الصفقة الجامعة”، والتي ستقوم على أساس اعتراف عربي جماعي بإسرائيل، مقابل قبول الأخيرة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس الشرقية. لا تشير الخطة إلى انسحاب كامل لإسرائيل من القدس، بل تطرح حلولًا وسطية تشمل إدارة مشتركة لبعض المناطق الحساسة، خصوصًا في البلدة القديمة، بما يضمن حماية الرموز الدينية ومصالح الأطراف كافة.
تحاول فرنسا، التي تتصدر هذا التحرك، إقناع بقية العواصم الأوروبية بضرورة لعب دور أكثر فعالية في هذا الملف، بعيدًا عن التبعية التقليدية للموقف الأمريكي. وقد صرّح الرئيس إيمانويل ماكرون مؤخرًا بأن باريس لا تستبعد اتخاذ خطوة اعتراف رسمي بدولة فلسطين خلال أشهر، ما لم يتحقق تقدم ملموس في مسار الحل السياسي. ويُفهم من هذا التصريح أن باريس تسعى لاستخدام الاعتراف كأداة ضغط، وليس كخطوة رمزية فقط.
لكن رغم الجدية الواضحة في الطرح الأوروبي، تواجه المبادرة تحديات معقدة على الأرض. فالانقسام الفلسطيني ما زال عميقًا، ولا توجد مؤشرات واضحة على قرب تجاوزه، في ظل تمسك كل من فتح وحماس بمواقعهما ومصالحهما. كما أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تُعد الأكثر يمينية في تاريخ البلاد، ترفض حتى الآن أي نقاش حول حل الدولتين، وتصر على أن القدس “عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل”. ويُضاف إلى ذلك الغموض الذي يلفّ الموقف الأمريكي، خاصة مع انشغال إدارة بايدن بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل الحذر العربي إزاء الدخول في صفقة شاملة لا تحظى بإجماع فلسطيني داخلي، أو لا تقدم ضمانات قوية بشأن مستقبل القدس ووقف الاستيطان ورفع الحصار عن غزة. وهناك إدراك متزايد بأن أي مبادرة لا تتضمن إجراءات ميدانية ملموسة لتحسين حياة الفلسطينيين ستكون مصيرها الفشل، حتى لو حظيت بدعم دولي واسع.
وعلى الرغم من كل هذه التحديات، فإن التحرك الأوروبي يعكس تحولًا مهمًا في المشهد السياسي، يتمثل في إدراك متزايد بأن ترك الصراع مفتوحًا على المجهول لم يعد خيارًا مقبولًا، لا من الناحية الأخلاقية ولا من الناحية الأمنية. وبقدر ما يُشكك البعض في واقعية الخطة المطروحة، فإن مجرد طرحها يعيد تسليط الضوء على القضية الفلسطينية، ويمنحها زخمًا سياسيًا افتقدته خلال السنوات الأخيرة.
في المحصلة، ستبقى فرص نجاح المبادرة الأوروبية رهينة بمدى قدرة الأوروبيين على فرض توازن حقيقي في التعامل مع طرفي النزاع، وبمدى استعداد اللاعبين المحليين، خاصة السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، على التعاطي معها بجدية. وبينما تبدو الطريق شاقة، فإن الوقت قد يكون مناسبًا لطرح خيارات جديدة، خصوصًا في ظل التحولات الجارية في مواقف الرأي العام داخل أوروبا والولايات المتحدة تجاه إسرائيل بعد الحرب الأخيرة.




