بحث مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب جاريد كوشنر، الاثنين، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سبل دفع خطة واشنطن لإنهاء الحرب في قطاع غزة، في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية تجاوز الخلافات بشأن آلية تنفيذ الخطة، وعلى رأسها ملف نزع سلاح حركة حماس.
ويأتي اللقاء في القدس بعد يوم واحد من اجتماع نادر عقده كوشنر في مصر مع خليل الحية، القيادي في حركة حماس، في خطوة تعكس محاولة أميركية لفتح قنوات مباشرة مع مختلف الأطراف والدفع نحو تنفيذ الترتيبات الخاصة بالمرحلة المقبلة في القطاع.
واستمر اجتماع كوشنر ونتنياهو عدة ساعات، وشارك فيه نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لشؤون غزة الذي عينه البيت الأبيض، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، العضو في “مجلس السلام” الذي شكله ترامب للإشراف على تنفيذ خطته.
نزع سلاح حماس في صدارة المباحثات
ويتصدر ملف نزع سلاح حماس الخلافات المتعلقة بتنفيذ الخطة الأميركية.
وبحسب ما أعلن عنه عقب اللقاء، اتفق الجانب الإسرائيلي والمبعوثون الأميركيون على أن تتولى الولايات المتحدة الإشراف على عملية نزع سلاح حماس في قطاع غزة.
لكن هذا التفاهم لا يعني أن العقبات أمام التنفيذ قد زالت؛ إذ لا تزال إسرائيل تشكك في استعداد الحركة للتخلي عن ترسانتها، بينما ترى واشنطن أن الوصول إلى صيغة لنزع السلاح لا يزال ممكنًا عبر التفاوض والضمانات.
وتتمسك الحكومة الإسرائيلية بأن نزع سلاح حماس يجب أن يسبق أي انتقال واسع إلى مرحلة إعادة إعمار القطاع.
مجموعتا عمل لمستقبل غزة
وأعلن مكتب نتنياهو الاتفاق على تشكيل مجموعتي عمل لبحث الملفات المرتبطة بمستقبل قطاع غزة.
وستركز المجموعة الأولى على نزع السلاح، على أن يتم استكمال هذه العملية قبل بدء إعادة الإعمار.
أما المجموعة الثانية، فستبحث ملفات الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه والصرف الصحي والصحة، إلى جانب تداعيات هذه الملفات على إسرائيل.
ويعكس تشكيل المجموعتين محاولة لفصل الملفات الأمنية عن الملفات الإنسانية والخدمية، تمهيدًا لبناء آلية عملية لتنفيذ الخطة الأميركية على مراحل.
لقاء كوشنر مع حماس يفتح مسارًا حساسًا
ويكتسب لقاء كوشنر مع خليل الحية في مصر أهمية خاصة، باعتباره من أبرز الاتصالات المباشرة بين مسؤول أميركي رفيع المستوى وقيادة حماس منذ اندلاع الحرب.
ولا تزال تفاصيل الاجتماع محدودة، لكن مجرد انعقاده يشير إلى أن واشنطن تراهن على الاتصالات المباشرة لإقناع الحركة بالترتيبات المقترحة، خصوصًا في ما يتعلق بالسلاح ومستقبل الحكم في القطاع.
وتواجه الإدارة الأميركية في المقابل مهمة صعبة: إقناع إسرائيل بأن أي تسوية لا تعني بقاء القدرات العسكرية لحماس، وإقناع الحركة بأن التخلي عن سلاحها لن يكون مقدمة لإعادة احتلال القطاع أو استهدافها بعد انتهاء الحرب.
نتنياهو يريد ضمانات أميركية
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف داخل إسرائيل في مدى إمكانية الوثوق بالتعهدات المتعلقة بنزع سلاح حماس.
ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن مسؤول إسرائيلي وجود شكوك داخل الحكومة بشأن إمكانية أن توافق الحركة فعليًا على التخلي عن سلاحها، في حين يرى الجانب الأميركي أن الملف يمكن التعامل معه من خلال ترتيبات وضمانات وآليات رقابة.
ويبدو أن نتنياهو يريد من واشنطن ضمانات واضحة قبل المضي قدمًا في أي انسحاب أو ترتيبات جديدة داخل القطاع.
وبذلك لا يتعلق الخلاف فقط بما إذا كانت حماس ستنزع سلاحها، وإنما أيضًا بمن سيتولى التحقق من ذلك، وما الذي سيحدث إذا لم تلتزم الحركة، وما المقابل الذي ستحصل عليه إسرائيل في كل مرحلة من مراحل الانسحاب.
إعادة الإعمار مقابل نزع السلاح
وتربط الخطة المطروحة بين المسارين الأمني والإنساني بصورة مباشرة.
فإسرائيل تشترط إحراز تقدم في ملف نزع السلاح قبل الانتقال إلى إعادة إعمار واسعة، بينما تحتاج غزة إلى تدفق سريع للمساعدات وإعادة تشغيل بنيتها الأساسية بعد الدمار الهائل الذي خلفته الحرب.
وهنا تظهر واحدة من أصعب معادلات الخطة الأميركية:
هل يمكن إعادة إعمار غزة من دون ضمانات أمنية لإسرائيل؟ وهل يمكن نزع سلاح حماس من دون توفير مسار سياسي وإنساني مقنع للفلسطينيين؟
وتحاول واشنطن إيجاد إجابة وسط هذه المعادلة عبر إشراف أميركي مباشر على مراحل التنفيذ.
واشنطن تحاول الإمساك بالخيوط
وتكشف مشاركة كوشنر وملادينوف وبلير في التحركات الأخيرة عن رغبة الإدارة الأميركية في إدارة تفاصيل الخطة بنفسها، بدل ترك تنفيذها بالكامل للأطراف المحلية.
فبعد لقاء حماس في مصر، انتقل كوشنر إلى القدس للقاء نتنياهو، بما يعكس مسعى للتعامل مع الطرفين في وقت واحد ودفعهما نحو صيغة مشتركة.
لكن الطريق لا يزال مليئًا بالعقبات، وفي مقدمتها مستقبل السلاح في غزة، وحجم الانسحاب الإسرائيلي، وآلية إدارة القطاع، وضمانات الأمن، وتوقيت إعادة الإعمار.
اختبار حقيقي لخطة ترامب
ويضع هذا التحرك الأميركي خطة ترامب أمام اختبارها الأصعب.
فالخطة قد تنجح في جمع الأطراف حول طاولة واحدة، لكن تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات ميدانية يحتاج إلى موافقات متبادلة وتنازلات مؤلمة من جميع الأطراف.
إسرائيل تريد ضمان إنهاء القدرات العسكرية لحماس قبل الانسحاب وإعادة الإعمار، بينما تريد حماس ضمانات بأن نزع سلاحها لن يتحول إلى وسيلة لفرض واقع سياسي وأمني جديد عليها.
وبين الشرطين، تحاول واشنطن بناء صيغة تضمن نزع السلاح، وتسمح بإعادة الإعمار، وتمنع عودة الحرب.






