تعيش العاصمة الأميركية واحدة من أكثر لحظاتها حساسة منذ بدء الحرب الروسية – الأوكرانية، بعد أن فجرت خطة السلام التي صاغتها إدارة الرئيس دونالد ترمب جدلاً واسعاً داخل الكونغرس، ليتحول النقاش من تساؤلات حول إمكانية إنهاء الحرب إلى أزمة ثقة داخل المؤسسات الأميركية نفسها، فبينما تؤكد الإدارة أن الخطة «رسمية» وتمثل موقف واشنطن، خرج أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ ليقولوا إن ما طُرح ليس سوى «قائمة أمنيات روسية».
ارتباك في واشنطن.. وخطة سلام تهز الثقة
هذا التضارب وضع الإدارة في موقف دفاعي، وفتح الباب أمام مزيد من الأسئلة حول مدى انسجام صانعي القرار في الولايات المتحدة.
الخطة المكونة من 28 بنداً لم تثر الجدل من فراغ، إذ إنها تلمّح إلى قبول تنازلات جغرافية لصالح روسيا، وهو ما تعتبره كييف وحلفاؤها الأوروبيون خطاً أحمر، ومع تسريب بنود الخطة، انطلقت موجة انتقادات داخل الكونغرس، حيث رأى بعض الأعضاء أن خطة بهذا الحجم وبهذه الحساسية لا يمكن أن تصدر بتلك الطريقة «المربكة» و«غير الأميركية في صياغتها».
هذه الاتهامات فتحت الباب أمام تساؤلات حول مدى نفوذ موسكو في عملية صياغة المقترحات.
وزاد الأمر حدةً حين كشف ثلاثة أعضاء بمجلس الشيوخ – مايك راوندز، أنغوس كينغ، وجين شاهين – أن وزير الخارجية ماركو روبيو أبلغهم بأن الوثيقة ليست خطة أميركية رسمية، بل مقترحاً وصل للإدارة من جهة تمثل روسيا، قبل أن يُعاد تقديمه للأوروبيين والأوكرانيين.
وما جعل الأمر أكثر تعقيداً هو أن هذا التصريح يتناقض تماماً مع ما قاله روبيو نفسه لاحقاً على منصات التواصل الاجتماعي.
هذا الارتباك الأميركي الداخلي أثار قلقاً واضحاً لدى كييف والدول الأوروبية التي تستعد للاجتماع في سويسرا لمناقشة الخطة، فحين يكون البيت الأبيض ووزارة الخارجية ومجلس الشيوخ غير متفقين حول من صاغ خطة السلام، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مصداقية الولايات المتحدة في قيادة الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.
صراع تصريحات.. وبيان لا يشبه واشنطن
مع تصاعد الجدل، لجأ وزير الخارجية ماركو روبيو إلى منصة «إكس» في محاولة لاحتواء الأزمة، مؤكداً أن الخطة «أميركية 100%» وأنها وُضعت «لتكون إطاراً عملياً للمفاوضات»، لكن هذا التأكيد لم ينجح في تهدئة المخاوف، خصوصاً بعد أن أشار أعضاء مجلس الشيوخ إلى أن طريقة كتابة الخطة «غير معتادة» في المؤسسات الأميركية، بل وصفها راوندز بأنها «أقرب ما تكون إلى وثيقة كُتبت بالروسية ثم تُرجمت».
هذا الاتهام لم يكن مجرد ملاحظة لغوية، بل تلميح مباشر إلى أن موسكو قد تكون قد دفعت بمقترحاتها داخل الآلة الدبلوماسية الأميركية، وهو ما وضع الإدارة في حرج بالغ، فالقبول بتنازلات جغرافية وفرض قيود على الجيش الأوكراني ومنع كييف من الانضمام للناتو كلها بنود تمنح موسكو مكاسب سياسية كبرى دون أن تدفع ثمناً دبلوماسياً مقابلاً.
من جانبه، حاول المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت نفي الاتهامات بشدة، مستشهداً بتصريحات سابقة للسيناتور كينغ، لكن الأخير عاد ليؤكد في مؤتمر صحافي من هاليفاكس أن ما سمعه من روبيو «واضح وغير قابل للتأويل»، ما وضع الوزارة في موقف دفاعي جديد ودفع المتابعين لطرح تساؤلات حول سبب اختلاف روايات المسؤولين الأميركيين.
التضارب لم يقف عند حدّ التصريحات، بل امتد إلى جوهر الرؤية الأميركية لإنهاء الحرب، فبينما تؤكد الإدارة أنها تسعى لـ «سلام عادل»، يرى بعض أعضاء الكونغرس أن التنازل أمام موسكو سيُقرأ كضعف، بل وكاستعداد أميركي لإعادة رسم الحدود الأوروبية وفق منطق القوة، وهو ما سيشكل سابقة خطيرة تهدد الأمن الدولي.
التصدع داخل الكونغرس.. والخوف من مكافأة روسيا
موقف الكونغرس من الخطة لم يخلُ من الانقسام الحاد، إذ رأى عدد من الأعضاء – بما في ذلك شخصيات جمهورية مخضرمة – أن المقترحات تهدد المصالح الأميركية نفسها.
السيناتور ميتش ماكونيل، المعروف بدعمه التقليدي لسياسات الردع، اعتبر أن «مكافأة المجازر الروسية ستكون كارثية على مصالح أميركا»، محذراً من أن بوتين «يحاول خداع ترمب منذ عام كامل».
هذا الموقف يعكس إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة التشريعية بأن أي تنازل أمام روسيا اليوم قد يشجعها على تكرار السيناريو في مناطق أخرى، سواء في أوروبا الشرقية أو خارجها، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يصدر بيان جماعي من عدد من السيناتورات يؤكدون فيه أن «السلام لن يتحقق بتقديم تنازل تلو الآخر لبوتين».
ويبدو أن هذه المواقف المتشددة داخل الكونغرس جاءت نتيجة شعور عام بأن الإدارة الجديدة قد تكون بصدد إعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية باتجاه تقليص الانخراط العسكري، وهو ما تستغله موسكو لفرض شروطها، ولذلك يؤكد الأعضاء المعارضون أن الخطة – بصيغتها الحالية – «تضعف قدرة كييف على الدفاع عن نفسها بشكل قاتل».
تأثير هذا الانقسام لا يقتصر على الداخل الأميركي، بل يمتد إلى الحلفاء الأوروبيين الذين يراقبون الخلاف عن كثب، ففي الوقت الذي تعتمد فيه أوكرانيا على الدعم الغربي، فإن أي إشارة إلى اختلاف جوهري بين واشنطن وكونغرسها تضعف الموقف التفاوضي لكييف وتجعل أوروبا في حالة ارتباك بشأن مستقبل الأمن القاري.
كيف بين الضغط الدولي وخيارات مؤلمة
بالنسبة لأوكرانيا، تمثل الخطة الأميركية مصدر قلق حقيقي، لأنها تنص على تقليص الجيش الأوكراني والتخلي عن طموح الانضمام للناتو، وهي شروط تعتبرها كييف «مساساً بسيادتها».
الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الذي أكد مراراً التزامه بالحفاظ على وحدة الأراضي، يرى أن أي تسوية لا تقوم على «سلام عادل» ستكون استسلاماً تدريجياً.
في خطابه الأخير، شدد زيلينسكي على أن بلاده تمر بـ«أصعب لحظة في تاريخها»، وأنها لن تقبل فرض حلول تستجيب لمطالب موسكو، كما أعلن أنه سيطرح «بدائل» للخطة الأميركية خلال المفاوضات المقبلة، في خطوة تهدف لقطع الطريق أمام أي محاولة لانتزاع تنازلات استراتيجية.
الأمر الأكثر تعقيداً يتمثل في الوضع الميداني؛ إذ تواجه أوكرانيا ضغوطاً عسكرية متزايدة على عدة محاور، ما يجعل أي مفاوضات تُبنى على موازين القوة الحالية محفوفة بالمخاطر، ويدرك المسؤولون الأوكرانيون أن قبول التنازل اليوم قد يتحول إلى نموذج يجري تكراره مستقبلاً في أزمات أخرى.
ومع استعداد الوفود الأميركية والأوروبية والأوكرانية للاجتماع في سويسرا، يبدو أن موقف كييف لن يكون سهلاً، فهي مضطرة للتفاوض مع إدارة أميركية منقسمة، وكونغرس غاضب، وحلفاء أوروبيين يخشون من أن تتحول الخطة إلى سابقة تقوّض الأمن الإقليمي.
أزمة الانسجام داخل الإدارة الأميركية
يرى الدكتور أندرو مايلز، الباحث في معهد السياسة الخارجية بواشنطن، أن الأزمة الحالية ليست خلافاً على خطة سلام فقط، بل هي مؤشر خطير على غياب الانسجام داخل الإدارة الأميركية، ويؤكد أن تضارب التصريحات بين وزير الخارجية وأعضاء مجلس الشيوخ يعكس «معركة داخلية صامتة» حول كيفية التعامل مع روسيا، خاصة في ظل رغبة ترمب في إنهاء الحرب سريعاً.
ويشير مايلز إلى أن الوثيقة المسربة تحمل بالفعل «ملامح غير أميركية»، خاصة في اللغة المستخدمة وتفاصيل البنود المتعلقة بتقليص الجيش الأوكراني، ويرى أن هذا هو السبب وراء شكوك بعض أعضاء الكونغرس، الذين اعتبروا أن الوثيقة «أقرب لرؤية روسية» تمت مواءمتها سياسياً لتناسب سياقاً أميركياً.
كما يحذر الخبير من أن «الارتباك» الذي ظهر في واشنطن خلال الأيام الماضية سيُقرأ في موسكو كعلامة ضعف، ما قد يدفع روسيا إلى التشدد أكثر في أي مفاوضات مقبلة، ويرى أن هذا الأمر يهدد قدرة الولايات المتحدة على لعب دور القائد الفعلي للمعسكر الغربي.
ويختتم مايلز تحليله بالتأكيد على أن الإدارة الأميركية بحاجة عاجلة إلى «خطاب واحد ورؤية واحدة»، لأن استمرار الانقسام الداخلي سيقوّض أي محاولة لفرض تسوية عادلة ويضعف موقف واشنطن على المستوى الدولي.
كيف ترى أوروبا خطة ترمب؟
تؤكد إيلينا كورشينكو، خبيرة أمن أوروبي في معهد الدراسات عبر الأطلسي، أن الأوروبيين ينظرون للوثيقة الأميركية بعين القلق، ليس فقط لأن بعض بنودها تمنح موسكو مكاسب جغرافية، بل لأن الخطة توحي بتغيير جذري في موقف الولايات المتحدة من أمن أوروبا، وترى أن واشنطن «لم تعد تتعامل مع موسكو باعتبارها خصماً استراتيجياً» كما كانت تفعل الإدارات السابقة.
وتوضح كورشينكو أن البنود المتعلقة بمنع كييف من الانضمام للناتو تُعدّ «سابقة خطيرة» لأنها تشرعن لمبدأ أن روسيا تمتلك حق الفيتو على توسع الحلف، وهذا – في نظرها – يقوّض الأساس الذي قام عليه التحالف منذ تأسيسه، ويهدد أمن دول شرق أوروبا تحديداً.
وترى الخبيرة أن قبول الخطة الأميركية بصيغتها الحالية سيعني «اعترافاً ضمنياً» بأن تغيير الحدود بالقوة يمكن أن يمر دون عقاب، وهو ما سيشجع قوى دولية أخرى على اتخاذ خطوات مشابهة في مناطق نزاع مختلفة حول العالم. ولذلك، تقول إن أوروبا ستكون أكثر الأطراف خسارة.
وتشير كورشينكو إلى أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على الموقف الأميركي، وأن الانقسام داخل واشنطن يجعل الحلفاء الأوروبيين في موقف هش، فبدون وحدة القرار الأميركي، سيكون من الصعب بناء موقف تفاوضي قوي يحمي مصالح كييف ويحفظ توازن القوة داخل القارة.






