تُعاد صياغة خريطة الرأسمالية العالمية بوتيرة متسارعة، في مسار لا يصبّ في مصلحة أوروبا. وفي هذا السياق، تبرز الهند كإحدى القوى الصاعدة في الاقتصاد الرقمي العالمي، مستفيدةً بشكل خاص من التطور المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي.
هذا ما خلصت إليه أحدث دراسة استقصائية أعدّتها شركة «تينيو» الدولية للاستشارات، تحت عنوان «رؤية 2026»، وشملت أكثر من 750 مديرًا تنفيذيًا من مختلف أنحاء العالم. وبالنسبة لغالبية المشاركين، باتت الهند تمثل الأفق الاستراتيجي الجديد، والمنطقة التي تتزايد فيها الحاجة إلى الاستثمار في المرحلة الراهنة.
ومن منظور الشركات الصناعية، تُعدّ الهند سوقًا ضخمة تتميز بقاعدة واسعة من المستهلكين الشباب والديناميكيين، مدعومة بسوق عمل نشطة وإمكانات نمو كبيرة. كما تعزز هذه الجاذبية عوامل إضافية، في مقدمتها التطور المتسارع للبنية التحتية الرقمية، الذي مكّن البلاد من التحول إلى أحد المراكز الصاعدة في خدمات تكنولوجيا المعلومات، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث بات السوق المحلي يشغل موقعًا محوريًا على نحو متزايد.
أميركا اللاتينية وشمال أفريقيا: جاذبية متراجعة
في المقابل، تواجه مناطق تجارية أخرى تراجعًا نسبيًا في جاذبيتها الاستثمارية، من دون أن تكون مهددة بالخروج من المشهد العالمي. ولا تزال الصين تحافظ على موقع متقدم في حسابات المستثمرين، إلا أن خبراء «تينيو» يرون أن الهند مرشحة للوصول إلى مكانة مماثلة في أذهان الشركات متعددة الجنسيات خلال خمس إلى ست سنوات، وهو رأي يتقاسمه نحو 50% من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع.
وعلى النقيض، يُتوقع أن تتراجع جاذبية مناطق مثل أميركا اللاتينية – باستثناء قطاع الطاقة المتجددة – وشمال أفريقيا. فرغم المزايا التقليدية المرتبطة بانخفاض تكاليف اليد العاملة، فإن دول المغرب العربي، بحسب الدراسة، لا تولي اهتمامًا كافيًا بتبني التقنيات الحديثة، ما يحدّ من قدرتها على جذب الاستثمارات طويلة الأجل. ويعكس هذا التحول تسارعًا واضحًا في مسار العولمة وتغير مراكز الثقل الاقتصادي.
أوروبا خارج دائرة الاهتمام
وتكشف الدراسة عن غياب لافت لأوروبا عن أولويات المستثمرين، في ظل تراجع قدرتها التنافسية مقارنة بالهند وآسيا. وتعاني القارة من شيخوخة سكانية متزايدة وانخفاض معدلات توظيف الشباب، ما يضعف قدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.
وتبرز فرنسا، وفقًا لأحدث تقرير صادر عن معهد الأبحاث الاقتصادية «ريكس إي كود» (Rexecode)، بوصفها من بين أضعف الاقتصادات الأوروبية أداءً في هذا السياق. وتشير البيانات إلى أنه خلال عام 2025 سيعمل الموظفون الفرنسيون، في المتوسط، أقل بثلاثة أسابيع من نظرائهم في ألمانيا، ما يجعلهم من بين الأقل عملًا في أوروبا.
وفي ظل احتدام المنافسة داخل القارة وعلى الصعيد الدولي، قد يترتب على هذا الفارق في الإنتاجية أثر سلبي ملموس على قدرة أوروبا، وفرنسا تحديدًا، على الحفاظ على موقعها في الاقتصاد العالمي.






