تكتسب تصريحات الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، خلال مشاركته في منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار” بالرياض، أهمية سياسية واقتصادية تتجاوز بعدها الإعلامي الظاهر، لتكشف عن ملامح جديدة في الخطاب السوري الرسمي، وعن إدراك متزايد لطبيعة التحول في موازين القوة الإقليمية والدور المركزي الذي باتت تلعبه السعودية في صياغة مستقبل المنطقة الاقتصادي والسياسي.
يظهر في حديث الشرع تحول جوهري في فلسفة الحكم والسياسات العامة السورية، إذ يبتعد عن خطاب “الاعتماد على المساعدات” الذي ميز العقود الماضية، ليتبنى رؤية تقوم على “الاعتماد على الذات” وبناء الدولة من الداخل عبر الاستثمار والإنتاج، لا عبر الدعم الخارجي أو المنح المشروطة. هذا الخطاب يعكس رغبة في استعادة السيادة الاقتصادية والقرار الوطني، بالتوازي مع طي صفحة “الاقتصاد الريعي” وفتح المجال أمام القطاع الخاص والشراكات الأجنبية، في انسجام مع التوجهات الإقليمية نحو التنمية المستدامة والتحول الاقتصادي.
الشرع وإعادة صياغة الهوية السورية
من الناحية الرمزية، يمثل اختيار منصة سعودية لإطلاق هذه الرسائل نقطة تحول لافتة. فمشاركة الشرع في منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار” — الذي أصبح منصة دولية لعرض الرؤى الاقتصادية الطموحة ضمن إطار “رؤية السعودية 2030” — تعني ضمنياً أن دمشق الجديدة تسعى للتموضع في فلك السياسات التنموية العربية الحديثة التي تقودها الرياض، لا في محور الممانعة الذي استنزف مقدراتها لعقود. ووصفه المملكة بأنها “قبلة الاقتصاديين” ليس مجاملة بروتوكولية فحسب، بل رسالة اعتراف بدور السعودية كقوة اقتصادية إقليمية باتت تصوغ أجندة التنمية في الشرق الأوسط.
تعبّر تصريحات الشرع كذلك عن محاولة لإعادة صياغة الهوية السورية في المرحلة الانتقالية. فبدلاً من الخطاب الأيديولوجي الذي طغى على مراحل سابقة، جاء الخطاب هذه المرة واقعياً وتنموياً، يرتكز على فكرة “تحويل النكبات إلى فرص”، وهي مقاربة مستلهمة من التجارب التنموية التي ربطت بين التعافي الاقتصادي والاستقرار السياسي. كما أن قوله إن “كل حجر هُدم سنعيد بناؤه من جديد” لا يعكس مجرد تفاؤل، بل يحمل دلالة سياسية تؤكد على أن إعادة الإعمار ليست مشروعاً هندسياً فقط، بل مساراً وطنياً لإعادة الشرعية والهوية.
سياسة المعونات وترسيخ ثقافة العمل
من زاوية أخرى، يشير حديثه عن “استثمارات بقيمة 28 مليار دولار” إلى وجود رؤية اقتصادية مبدئية قيد التشكّل، هدفها إقناع المستثمرين بأن سوريا بدأت مرحلة انتقالية فعلية تتجه نحو بيئة اقتصادية آمنة وجاذبة. وإشارته إلى أن “قانون الاستثمار الجديد من بين أفضل عشرة في العالم” تمثل محاولة لتبديد المخاوف التقليدية بشأن البيروقراطية والفساد، مع اعتراف ضمني بأن التحدي الأكبر يكمن في التطبيق، لا في النصوص القانونية.
كما يعكس رهان الشرع على “شعبه” إيماناً بدور العنصر البشري كمحرك أساسي للتنمية، وهو طرح يتناغم مع فلسفة “رؤية 2030” القائمة على تمكين المواطنين. فرفضه “سياسة المعونات” يهدف إلى ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج بدلاً من انتظار المساعدات الخارجية، في رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل السوري لتغذية روح الاعتماد على الذات، والثانية إلى الخارج لتأكيد أن دمشق الجديدة لا تبحث عن تمويلات مجانية بل عن شراكات استثمارية متكافئة.
أما البعد السياسي في خطاب الشرع فيتجلى في إشارته إلى أن “سوريا جُرّبت كدولة مضطربة ومصدّرة للأزمات طوال ستين عاماً”، وهي صياغة نقدية ضمنية للنهج الذي ساد في الماضي القريب، وإقرار بضرورة تجاوز الحقبة السابقة نحو دولة الاستقرار والانفتاح الاقتصادي. هذه العبارة تحمل أيضاً بعداً تصالحياً مع الجوار العربي، إذ يتنصل الخطاب الجديد من السياسات التي جعلت من سوريا بؤرة توتر إقليمي.
التوازن بين السياسة والتنمية
ولا تخلو تصريحاته من رسائل إنسانية وشخصية مؤثرة، أبرزها حين استحضر ذكرى مولده في السعودية، مشيراً إلى رمزية أن يُعلن عن رؤيته لسوريا الجديدة من البلد الذي وُلد فيه. هذا التفصيل البسيط يحمل بعداً وجدانياً عميقاً يعزز سردية “الانبعاث من جديد”، كما يربط بين المصيرين السعودي والسوري في لحظة تحول تاريخية لكل منهما.
تأسيساً على ذلك، يمكن القول إن دلالات خطاب أحمد الشرع تتجاوز الإطار الاحتفالي للمنتدى الاقتصادي، لتشكل إعلاناً ضمنياً عن بداية “عقيدة اقتصادية جديدة” للمرحلة الانتقالية في سوريا، قوامها الإصلاح، والشراكة، والانفتاح على المحيط العربي بقيادة السعودية. وإذا ما استطاعت دمشق أن تترجم هذا الخطاب إلى سياسات واقعية، فإنها ستدخل مرحلة جديدة من التوازن بين السياسة والتنمية، وبين الاستقلال الاقتصادي والتكامل الإقليمي.
بهذا المعنى، يبدو خطاب الشرع في الرياض أشبه بـ”وثيقة نوايا سياسية واقتصادية” لسوريا ما بعد الحرب، تُعيد تعريف موقعها في العالم العربي، وتؤسس لتحالف جديد قاعدته التنمية لا الصراع، ورؤيته الانفتاح لا العزلة.






