أثار المؤتمر الذي نظمته الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا في مدينة الحسكة، عاصفة من الانتقادات في دمشق، التي اعتبرته «طعنة» في مسار المفاوضات القائمة مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).
وأعلنت الحكومة السورية الجديدة رفضها حضور أي اجتماعات مرتقبة في باريس مع وفد «قسد»، معتبرة أن ما جرى في الحسكة يهدد بنسف اتفاق الدمج الذي وُقع بين الطرفين في مارس (آذار) الماضي.
مؤتمر الحسكة: شعارات التعددية تصطدم بحسابات السلطة
المؤتمر، الذي انعقد يوم الجمعة الماضي، خرج بتوصيات تدعو إلى إنشاء دولة لا مركزية، ووضع دستور يكفل التعددية العرقية والدينية والثقافية، في خطوة رآها مراقبون تعبيراً عن طموح الإدارة الذاتية لتثبيت نموذجها السياسي والإداري.
لكن دمشق فسرت هذه الدعوات على أنها محاولة «لتدويل الشأن السوري» وجذب تدخلات خارجية، فضلاً عن «إعادة فرض العقوبات» عبر تحركات سياسية خارج الإطار الوطني، حسب وصفها.
شخصيات مثيرة للجدل تشعل الموقف
التوتر تصاعد أيضاً بسبب مشاركة شخصيات بارزة في مؤتمر الحسكة، مثل حكمت الهجري، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية المعروف بمواقفه المناوئة لدمشق، وغزال الغزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي المعارض للسلطة السورية الجديدة.
هذه المشاركة فسرتها مصادر حكومية بأنها «محاولة لتشكيل جبهة سياسية عريضة» تضم أطيافاً معارضة من مختلف المكونات السورية، وهو ما اعتبرته تهديداً مباشراً لوحدة الموقف الداخلي.
اتفاق الدمج على المحك
في مارس الماضي، وقّع نائب الرئيس السوري الأسبق فاروق الشرع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي اتفاقاً يقضي باندماج قوات «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، مقابل ترتيبات إدارية خاصة في مناطق شمال شرقي البلاد. وكان الاتفاق يُعد خطوة مفصلية نحو إعادة توحيد البلاد بعد سنوات من الانقسام.
لكن التطورات الأخيرة تثير تساؤلات حول إمكانية استمرار هذا المسار، خصوصاً مع تمسك دمشق بشروطها، وإصرار الإدارة الذاتية على الدفاع عن مشروعها السياسي.
رد «قسد» ومحاولة التهدئة
في المقابل، أصدرت الإدارة الذاتية بياناً حاولت فيه احتواء الأزمة، مؤكدة أن مؤتمر الحسكة «لا يستهدف إلغاء اتفاق الدمج»، بل يسعى إلى «تعزيز الحوار الوطني بين مختلف المكونات السورية».
وأشارت إلى أن الدعوة لدولة لا مركزية تأتي من منطلق «ضمان حقوق الأقليات» وليس لتقسيم البلاد، في إشارة إلى حرصها على طمأنة دمشق والمجتمع الدولي.
الموقف الفرنسي ودور الوساطة
مصادر دبلوماسية في باريس أكدت أن فرنسا ما زالت ملتزمة بجهود الوساطة، وأنها ستواصل اتصالاتها مع الطرفين لإعادة المفاوضات إلى مسارها.
وأوضحت أن باريس ترى في اتفاق الدمج فرصة نادرة لتحقيق استقرار في الشمال الشرقي، ومنع فراغ أمني قد تستفيد منه أطراف خارجية، خاصة في ظل نشاط تنظيمات متطرفة في بعض المناطق الحدودية.
الشارع السوري بين القلق والانقسام
على الصعيد الشعبي، أثار الخلاف الأخير حالة انقسام بين السوريين. فبينما يرى أنصار الإدارة الذاتية أن اللامركزية هي الضمانة الوحيدة للحريات، يعتبر مؤيدو الحكومة المركزية أن هذه الطروحات «تفتح الباب أمام تفتيت الدولة».
في الوقت نفسه، يبدي كثيرون قلقهم من أن يتحول الخلاف السياسي إلى صراع ميداني جديد، يعيد البلاد إلى أجواء الحرب.
إشارات إلى ضغوط إقليمية ودولية
خبراء في الشأن السوري أشاروا إلى أن توقيت مؤتمر الحسكة لم يكن بعيداً عن تأثيرات وضغوط إقليمية ودولية، خاصة من بعض القوى التي ترى في استمرار التباين بين دمشق و«قسد» فرصة لتعزيز نفوذها في المنطقة.
ويرى هؤلاء أن معالجة الأزمة تتطلب حواراً مباشراً، بعيداً عن المؤتمرات الإعلامية والرسائل التصعيدية، للحفاظ على ما تبقى من فرص التوصل إلى تسوية شاملة.
باريس.. اجتماع مؤجل ومشهد ضبابي
كان من المقرر أن تستضيف باريس، خلال الأسابيع المقبلة، اجتماعاً يضم ممثلين عن الحكومة السورية و«قسد» برعاية فرنسية، لبحث خطوات تنفيذ اتفاق الدمج.
لكن إعلان دمشق عدم المشاركة، بعد مؤتمر الحسكة، أدخل المشهد في حالة من الضبابية، وفتح الباب أمام احتمالات تجميد المفاوضات أو انهيارها بالكامل.
مراقبون: تصعيد قد يعيد الملف السوري إلى المربع الأول
يرى محللون أن الأزمة الراهنة قد تدفع الملف السوري إلى مرحلة جديدة من الجمود، وربما التصعيد، في ظل تضارب المشاريع السياسية وغياب الثقة بين الأطراف.
ويحذر هؤلاء من أن أي فشل في تنفيذ اتفاق الدمج سيعني استمرار الانقسام الجغرافي والسياسي، وربما العودة إلى مواجهات ميدانية في مناطق التماس.






