وسط مشهد إقليمي متوتر وتحديات أمنية متصاعدة، أطلق جوزيف عون رسالة تحمل نبرة حاسمة وتعكس حجم الضغوط التي تواجه لبنان، بعدما أكد عزمه القيام بـ«المستحيل» من أجل وقف الحرب وإنقاذ البلاد من الانزلاق إلى دائرة أوسع من التصعيد، في وقت لا تزال فيه الضربات الإسرائيلية مستمرة رغم اتفاقات التهدئة القائمة والتحركات السياسية الجارية.
وتأتي تصريحات الرئيس اللبناني في لحظة شديدة الحساسية، مع استمرار محاولات تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التوتر المتصاعد على الحدود الجنوبية، وسط مخاوف من انهيار الهدنة الهشة وتحولها إلى جولة جديدة من المواجهات المفتوحة.
معادلة لبنانية جديدة
ووفق بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية، شدد عون على أن الإطار الذي وضعته بيروت للمفاوضات مع إسرائيل يقوم على مجموعة من الثوابت التي تعتبرها الدولة اللبنانية أساساً لأي تفاهمات مستقبلية.
وتتضمن هذه الركائز انسحاب إسرائيل من الأراضي التي لا تزال تحتلها، والالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود، إلى جانب عودة النازحين إلى مناطقهم، وفتح الباب أمام دعم اقتصادي ومالي يساعد لبنان على تجاوز أزماته المتلاحقة.
وبدا واضحاً من تصريحات الرئيس اللبناني أن الملف لا يُنظر إليه من زاوية أمنية فحسب، بل باعتباره مساراً متكاملاً يرتبط بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
رسالة تحمل أبعاداً سياسية وشعبية
وفي واحدة من أكثر العبارات لفتاً للانتباه، قال رئيس لبنان إن واجبه ومسؤوليته يفرضان عليه أن يقوم بـ«المستحيل» وبكل ما هو أقل كلفة من أجل وقف الحرب عن لبنان وشعبه.
هذه العبارة لم تمر مروراً عادياً في الداخل اللبناني، إذ تعكس حجم المأزق الذي تواجهه الدولة في ظل تعقيدات المشهد الأمني والسياسي، كما تكشف عن إدراك رسمي لحجم الخسائر التي يمكن أن يخلفها أي انفجار جديد للأوضاع.
ويرى مراقبون أن حديث عون يحمل رسائل متعددة؛ إحداها موجهة إلى الداخل اللبناني لتأكيد وجود إرادة سياسية لمنع التصعيد، وأخرى موجهة إلى الأطراف الدولية والإقليمية بأن لبنان لا يزال يتمسك بخيار التهدئة رغم الضغوط المتزايدة.
فرصة جديدة أم هدنة مؤقتة؟
وفي تطور متزامن، دخل حيّز التنفيذ تمديد جديد لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 17 أبريل، وذلك لمدة 45 يوماً إضافياً، في محاولة لإعطاء المسار الدبلوماسي فرصة جديدة لتثبيت الاستقرار ومنع انهيار التفاهمات.
ويعكس قرار التمديد إدراكاً دولياً وإقليمياً بأن الوضع لا يزال هشاً، وأن أي خلل أمني قد يدفع المنطقة إلى موجة جديدة من التوتر يصعب احتواؤها.
لكن رغم هذا التمديد، فإن استمرار الضربات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية يثير تساؤلات بشأن قدرة الاتفاقات الحالية على الصمود، ومدى إمكانية تحويلها إلى ترتيبات دائمة تنهي حالة الاشتباك المستمرة.
الجيش اللبناني في قلب المعادلة الأمنية
ضمن الطرح اللبناني، يبرز انتشار الجيش على الحدود كأحد أبرز عناصر الحل المقترح، في محاولة لإعادة تثبيت سلطة الدولة على المناطق الحدودية وإبعاد احتمالات الانفلات الأمني.
ويرى متابعون أن تعزيز دور المؤسسة العسكرية قد يشكل نقطة توازن مهمة في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الضغوط الدولية الرامية إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر استقراراً على الحدود الجنوبية.
ويقف لبنان اليوم أمام مرحلة شديدة التعقيد؛ فمن جهة هناك مساعٍ سياسية ودبلوماسية لاحتواء الأزمة، ومن جهة أخرى تبقى التطورات الميدانية قادرة على تغيير المشهد خلال ساعات.
وبين وعود «المستحيل» التي أطلقها الرئيس اللبناني، واستمرار الضربات والتوترات الحدودية، تبدو البلاد أمام اختبار صعب: هل تنجح الهدنة في فتح طريق نحو الاستقرار، أم أن المنطقة تتجه إلى فصل جديد من التصعيد؟




