كشفت روسيا عن مذكرة رسمية سلّمتها إلى الوفد الأوكراني خلال محادثات غير معلنة في إسطنبول، تضمنت شروطاً مشددة لبدء هدنة مؤقتة في الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين. الوثيقة، التي نشرتها وكالات الأنباء الروسية، تنص بوضوح على وجوب انسحاب القوات الأوكرانية من أربع مناطق تطالب بها موسكو، وهي دونيتسك ولوغانسك في الشرق، وزابوريجيا وخيرسون في الجنوب، كشرط مسبق “لوقف إطلاق نار مدته 30 يوماً”.
هذا الطرح الروسي يعكس تمسك الكرملين بمعادلة ميدانية تُفضي إلى مكاسب سياسية قبل أي اتفاق تهدئة. إذ لا تبدو موسكو مستعدة لتجميد العمليات العسكرية من موقع متكافئ، بل تفضل فرض واقع جغرافي جديد تعترف به كييف، ولو ضمنياً، من خلال الانسحاب من مناطق تعتبرها روسيا جزءاً من “أراضيها المحررة”.
وفي وقت سابق من مايو، جدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملامح شروطه لإنهاء النزاع، مشدداً على ضرورة تقديم ضمانات مكتوبة من الدول الغربية بعدم توسيع حلف شمال الأطلسي شرقاً، ورفع بعض العقوبات الاقتصادية التي تكبّل الاقتصاد الروسي. وجاء ذلك بعد محادثة مطوّلة جمعته بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ناقشا خلالها الخطوط العريضة لاتفاق سلام محتمل، يتضمن صياغة مذكرة مشتركة وجدولاً زمنياً لوقف النار.
ومن أبرز البنود التي تطرحها موسكو ضمن هذا المسار: الإبقاء على أوكرانيا كدولة محايدة غير منضوية في أي تكتل عسكري غربي، وتقديم ضمانات حقيقية لحقوق المتحدثين بالروسية داخل أوكرانيا، فضلاً عن معالجة ملف الأصول السيادية الروسية المجمدة في الغرب. في المقابل، تتمسك كييف برفض أي فيتو روسي على مساعيها للانضمام إلى الناتو، مؤكدة أن أمنها لا يمكن أن يُكفل من دون تحالفات رادعة، وتطالب بضمانات صلبة من الولايات المتحدة وأوروبا تحميها من أي عدوان مستقبلي.
اللافت أن بوتين، في يونيو الماضي، عرض تصوراً لما سماه “شروط السلام الفوري”، قائلاً إن إنهاء الحرب ممكن بمجرد أن تتخلى أوكرانيا عن طموحاتها الأطلسية، وتنسحب من كامل أراضي المناطق الأربع التي تطالب بها موسكو. وفيما لا تزال روسيا تحتفظ بشبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014، تسيطر اليوم على كامل لوهانسك وأكثر من 70% من دونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، إضافة إلى مناطق محدودة من خاركيف وسومي، وسط تهديدات متكررة لمواقع في دنيبروبتروفسك.
ورغم حالة الجمود السياسي، أظهرت المحادثات الجارية بين الجانبين بعض التقدم المحدود في المسار الإنساني. فقد تم الإعلان عن اتفاق لتبادل جثامين 6 آلاف جندي قضوا خلال المعارك، في خطوة لاقت ترحيباً حذراً من المجتمع الدولي، كما تم التوصل إلى تفاهم أولي بشأن تبادل للأسرى يشمل الجرحى وصغار السن من الجنود. وأشار وزير الدفاع الأوكراني رستم أوميروف إلى أن الجانب الروسي سلّم مسودة جديدة لاتفاق سلام، ستخضع للمراجعة من قبل كييف، مع اقتراح بعقد جولة محادثات إضافية قبل نهاية يونيو.
إلا أن هذه التطورات لم تحجب تصاعداً ميدانياً جديداً، إذ نفذت أوكرانيا واحدة من أجرأ هجماتها الجوية منذ بداية الحرب، مستهدفة مواقع استراتيجية في عمق الأراضي الروسية، بينها قواعد لقاذفات نووية في سيبيريا، باستخدام طائرات مسيّرة بعيدة المدى. وقد أثار الهجوم غضباً واسعاً في الأوساط الروسية، حيث طالب مدونون عسكريون بردّ قاسٍ وواسع النطاق.
وفي الخلفية، يبقى الحضور الأميركي حاسماً رغم غموضه. فكل من موسكو وكييف تحرصان، لأسباب متباينة، على إبقاء دونالد ترامب جزءاً من المشهد التفاوضي، رغم أن فرص تحقيق انفراجة في القريب العاجل لا تزال ضئيلة، بفعل تباعد الرؤى، وتشابك الاشتراطات، وغياب إرادة واضحة للحسم من الجانبين.







