في خضم اشتداد التوترات في الشرق الأوسط، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى توسيع هامش تحرك بلاده دبلوماسيًا، مستفيدًا من تعقيدات المشهد الإقليمي لإعادة تثبيت موقع موسكو كلاعب لا يمكن تجاهله. وبين رسائل التهدئة والتحركات السياسية المكثفة، تبدو روسيا وكأنها تعيد رسم دورها خارج الساحة الأوكرانية.
تحرك متزامن ورسائل متعددة
استقبال عباس عراقجي في سانت بطرسبرغ، بالتوازي مع اتصالات مع دونالد ترامب، لم يكن خطوة بروتوكولية عابرة، بل جزءًا من تحرك محسوب يهدف إلى وضع موسكو في قلب أي مسار تفاوضي محتمل.
تصريحات الكرملين حول الاستعداد للقيام بـ”كل ما يلزم” لإحلال السلام تعكس رغبة واضحة في تقديم روسيا كوسيط، حتى وإن كانت فرص قبول هذا الدور متفاوتة بين الأطراف.
من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: إعادة توجيه الاهتمام
في خلفية هذا النشاط، يبرز عامل استراتيجي مهم: تخفيف الضغط المرتبط بالحرب في أوكرانيا عبر توسيع نطاق الحضور الروسي في ملفات أخرى. فالدخول إلى مسار الشرق الأوسط يمنح موسكو فرصة:
- كسر العزلة السياسية
- إعادة تنشيط قنوات التواصل مع الغرب
- استعادة صورة “القوة المؤثرة عالميًا”
بهذا المعنى، لا يبدو التحرك الروسي منفصلًا عن السياق الأوسع، بل امتدادًا لمحاولة إعادة التوازن في علاقاتها الدولية.
حماية المصالح لا الحلفاء
رغم العلاقة الوثيقة مع إيران، فإن موسكو لا تتحرك بدافع التحالف التقليدي بقدر ما تسعى إلى حماية مصالحها. فاستقرار إيران مهم لروسيا، ليس فقط سياسيًا، بل أيضًا في سياق التوازنات الإقليمية وسوق الطاقة.
أي تصعيد واسع قد يضعف طهران، وهو ما لا يخدم حسابات الكرملين، خاصة في ظل تقاطع المصالح في ملفات متعددة.
دبلوماسية الصورة: بيع دور “صانع السلام”
جزء أساسي من التحرك الروسي يرتبط بمحاولة إعادة تشكيل الصورة الدولية. فموسكو تسعى إلى الظهور كقوة توازن واستقرار، قادرة على لعب دور الوسيط، رغم الانتقادات الغربية المستمرة لسلوكها في ملفات أخرى.
هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى تحسين الصورة، بل أيضًا إلى فتح الباب أمام:
- تخفيف العقوبات
- استئناف التعاون الاقتصادي
- إعادة إدماج روسيا في النظام الدولي
الملف النووي: ورقة نفوذ إضافية
تدرك موسكو أن لها وزنًا خاصًا في ملف البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يمنحها مدخلًا إضافيًا للتأثير في مسار المفاوضات. هذا الدور التقني–السياسي يعزز موقعها كطرف لا يمكن تجاوزه، حتى في ظل التوترات.
براغماتية روسية في لحظة فراغ دولي
ما تقوم به فلاديمير بوتين يعكس نمطًا متكررًا في السياسة الروسية: استغلال لحظات الاضطراب لإعادة التموضع. فموسكو لا تتحرك بدافع أيديولوجي، بل وفق منطق براغماتي يوازن بين الفرص والمخاطر.
في ظل انشغال قوى كبرى بأولويات متباينة، ترى روسيا مساحة للتحرك وملء الفراغ، ولو بشكل جزئي. وهي تدرك أن مجرد الحضور على طاولة التفاوض—حتى دون تحقيق اختراق—يُعد مكسبًا سياسيًا بحد ذاته.
نحو نفوذ مستدام أم حضور ظرفي؟
يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة موسكو على ترجمة هذا النشاط إلى نفوذ طويل الأمد. فالتعقيدات الإقليمية، وتضارب مصالح القوى الكبرى، قد تحد من فعالية هذا الدور.
لكن المؤكد أن روسيا، عبر هذا الحراك، لا تسعى فقط إلى التأثير في مسار الصراع، بل إلى إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي—ولو عبر بوابة الشرق الأوسط.




