بدأ الرئيس اللبناني جوزيف عون زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة تكتسب أهمية إستراتيجية بالغة، حيث من المقرر أن يلتقي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء المقبل. وتأتي هذه المحادثات وسط تطلعات لبنانية لدفع مسار تنفيذ “اتفاق الإطار” وتثبيت وقف إطلاق النار الذي وقّع برعاية أمريكية في 26 يونيو/حزيران 2026، وذلك في وقت يلف فيه الغموض المسار التفاوضي عقب تأجيل الاجتماعات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية المشتركة التي كانت مقررة لبحث آليات الانتشار الميداني.
تعثر مسار روما وعقدة “المناطق التجريبية”
يواجه اتفاق الإطار عقبات ميدانية وسياسية حادة أدت إلى كبح قوة الدفع التي نتجت عن جولة المفاوضات الأخيرة في روما:
تأجيل الآلية التنفيذية: أُرجئ إلى أجل غير مسمى الاجتماع العسكري الذي كان مقرراً بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكية، والذي كان مخصصاً لبحث آليات تطبيق نموذج “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان.
الانتشار الإسرائيلي المستمر: تتهم بيروت تل أبيب بمواصلة خرق التهدئة، حيث يحتفظ الجيش الإسرائيلي بتواجد عسكري مباشر في منطقتين تجريبيتين تقعان شمال وجنوب نهر الليطاني.
بنود الاتفاق الحرجة: ينص اتفاق الإطار على انسحاب إسرائيلي تدريجي مشروط بتولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة، ونزع سلاح الفصائل والجماعات المسلحة (في إشارة إلى حزب الله)، دون أن يتضمن الاتفاق جدولاً زمنياً محدداً لإتمام الانسحاب الكامل.

جبهة الجنوب: دمار الغندورية وتوجسات ديموغرافية
على الصعيد الميداني، يعاني الشريط الحدودي من تبعات عدوان واسع عطل إمكانية العودة السريعة للسكان:
تدمير بلدة الغندورية: رصدت التقارير الميدانية دماراً هائلاً في بلدة الغندورية (قضاء بنت جبيل)، حيث أحصى المجلس المحلي أكثر من 250 منزلاً مدبراً بالكامل، فضلاً عن مئات الوحدات السكنية غير الصالحة للمأوى جراء القصف.
الأهمية العسكرية لوادي الحجير: تشرف بلدتا الغندورية وفرون المجاورة على منطقة وادي الحجير الإستراتيجية. ويرى الأهالي أن الإصرار الإسرائيلي على إدراج هذه المناطق ضمن “المناطق التجريبية” يهدف إلى منع عودة السكان وفرض واقع ديموغرافي معزول.
الانقسام الداخلي اللبناني ومستقبل سلاح حزب الله
تثير أجندة زيارة الرئيس عون إلى واشنطن سجالاً سياسياً وسيادياً حاداً داخل الساحة اللبنانية:
أولويات بعبدا: يسعى الرئيس عون إلى فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الإقليمية الدائرة بين واشنطن وطهران، وتأمين دعم مالي ولوجستي عاجل للجيش اللبناني والاقتصاد الوطني، والضغط لسحب القوات الإسرائيلية وبسط سلطة الدولة.
تحفظات حزب الله: يوجه حزب الله انتقادات علنية لـ”اتفاق الإطار” بصيغته الحالية، معتبراً أنه يخدم المصالح الإسرائيلية ويمس بالسيادة. ويعلن الحزب رفضه القاطع لترتيبات “المناطق التجريبية”، مشترطاً انسحاباً إسرائيلياً كاملاً وقبلياً قبل البحث في أي تدابير أمنية أو نقاش يخص نزع السلاح.
معضلة تفتيش المناطق: يحذر محللون سياسيون من أن نجاح التسوية مرتبط بمدى الضغط الأمريكي؛ إذ لا تملك الدولة أدوات قسرية لفرض الاتفاق. كما تبرز مخاوف من مطالبة إسرائيل بإعادة تفتيش المناطق بعد انتشار الجيش اللبناني، أو منع عودة عناصر الحزب إلى قراهم، مما قد يفجر مواجهة مباشرة بين الجيش والبيئة الحاضنة للحزب.
الفاتورة الإنسانية لعدوان مستمر
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في ظل كلفة بشرية واقتصادية قاسية تكبدها لبنان منذ اندلاع الموجة الأخيرة للنزاع:
ضحايا العدوان: تشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى أن العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ 2 مارس/آذار 2026 أسفر عن مقتل 4,324 شخصاً، وإصابة 12,224 آخرين.
أزمة النزوح: تسببت العمليات العسكرية الممتدة في تهجير ونزوح أكثر من مليون مواطن لبناني من قراهم ومدنهم.
تاريخ الاحتلال: يذكر أن إسرائيل تواصل احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان، يعود بعضها إلى عقود ماضية، في حين أُخضع بعضها الآخر للسيطرة العسكرية خلال الحرب السابقة التي امتدت بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024.






