يبدو أن حصار الضفة الغربية والقدس، لا يقتصر على الممارسات التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي فقط، بل يمتد إلى الأحداث الساخنة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، في ظل الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، إذ تتواجد الضفة، في موقع بالغ الحساسية، ليس فقط بفعل الاحتلال وإجراءاته الأمنية، بل أيضًا نتيجة تداعيات الصراعات الإقليمية التي لم تكن هذه المناطق طرفًا مباشرًا فيها.
ومع استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية، ضمن سياق المواجهات المتصاعدة في الشرق الأوسط، بدأت تظهر ظاهرة مقلقة تتمثل في تعرض مناطق سكنية في القدس وبعض مدن الضفة الغربية لأضرار ناجمة عن شظايا الصواريخ أو المقذوفات الاعتراضية، وهو ما بات يصفه بعض السكان بـ”النيران الصديقة”، في إشارة إلى الخطر الذي يأتي من خارج ساحة الصراع المباشر لكنه يطال المدنيين في النهاية.
تهديد مباشر للأحياء السكنية
هذه الظاهرة تكشف عن مفارقة قاسية يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية، فهم ليسوا طرفًا في القرارات العسكرية التي تُتخذ على مستوى القوى الإقليمية والدولية، ومع ذلك يدفعون جزءًا من كلفة هذا التصعيد، وقد تتحول المقذوفات التي تعبر الأجواء أو الشظايا التي تتساقط بعد عمليات الاعتراض إلى تهديد مباشر للأحياء السكنية، كما حدث في بعض مناطق القدس حيث أبلغ السكان عن أضرار لحقت بالمنازل والممتلكات، وتزداد خطورة هذه الحوادث عندما تتعلق بقنابل عنقودية أو شظايا متفجرة يمكن أن تظل مصدر خطر حتى بعد سقوطها.
وصف هذه الحوادث بـ”النيران الصديقة” لا يعني بالضرورة أن مصدرها أطراف حليفة للسكان المتضررين، بل يعكس حالة من السخرية المرة التي يشعر بها المدنيون وهم يرون أنفسهم عالقين بين صراعات تتجاوز حدودهم الجغرافية والسياسية. المعركة الدائرة في حاليًا لا تُدار وفق حسابات سلامة السكان في الضفة الغربية، بل وفق اعتبارات استراتيجية أوسع، ما يجعل المدنيين في نهاية المطاف الحلقة الأضعف في معادلة القوة.
المدنيون في خطر
وتبرز خطورة هذا الواقع في غياب بنية حماية مدنية فعالة في كثير من مناطق الضفة الغربية والقدس الشرقية، ورغم ادعاءات إسرائيل بأنها تمتلك منظومات إنذار وملاجئ وبنية دفاع مدني متطورة نسبيًا، يعاني الفلسطينيون من نقص واضح في هذه الإمكانات، سواء على مستوى الملاجئ أو أنظمة الإنذار المبكر أو خطط الطوارئ، وبالتالي أي شظايا أو مخلفات عسكرية تسقط في هذه المناطق قد تتحول بسرعة إلى كارثة إنسانية، خصوصًا في الأحياء المكتظة بالسكان.
تزامن هذه التطورات مع شهر رمضان يضيف بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا إضافيًا، لأن المدن الفلسطينية تشهد خلال هذا الشهر حركة ليلية كثيفة ونشاطًا اجتماعيًا واسعًا في الشوارع والأسواق، ما يزيد من احتمالات تعرض المدنيين للخطر في حال سقوط شظايا أو بقايا مقذوفات، لذلك فإن التحذيرات التي أطلقها بعض السكان بضرورة تجنب المخاطر غير الضردورية تعكس شعورًا متزايدًا بالقلق من أن يتحول الفضاء المدني إلى منطقة خطر غير معلن.
أين المجتمع الدولي؟
المشكلة لا تقتصر على البعد الأمني، بل تمتد إلى البعد السياسي أيضًا، لأن استمرار تعرض الضفة الغربية لمخلفات الصراعات الإقليمية يعمق الإحساس لدى الفلسطينيين بأنهم يعيشون في منطقة مفتوحة على احتمالات التصعيد دون أن يكون لديهم دور في تحديد مساره، فضلا عن أن ذلك يعكس هشاشة الوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية، حيث يمكن لأي تطور إقليمي أن ينعكس بشكل مباشر على حياة السكان اليومية.
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز إجراءات الحماية المدنية في المدن الفلسطينية، سواء عبر رفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر المخلفات العسكرية، أو من خلال تطوير آليات الاستجابة للطوارئ بالتعاون مع المؤسسات المحلية والدولية، كما أن المجتمع الدولي مطالب بالانتباه إلى هذه التداعيات غير المباشرة للصراعات الإقليمية، والتي غالبًا ما يتم تجاهلها رغم تأثيرها العميق على حياة المدنيين.
ظاهرة “النيران الصديقة” التي يتحدث عنها بعض سكان الضفة الغربية، تكشف عن حقيقة أوسع تتعلق بطبيعة الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط، حيث لم تعد خطوط المواجهة واضحة أو محددة جغرافيًا، وتستمر القوى الإقليمية في حساباتها الاستراتيجية، يبقى السكان في القدس والضفة الغربية أمام واقع يومي يتسم بعدم الأمن، حيث قد تتحول السماء فوق رؤوسهم في أي لحظة إلى مصدر خطر غير متوقع.




