تشير إحالة أربعة من أبرز رموز النظام السوري السابق إلى التحقيق، إلى تحوّل لافت في الخطاب الرسمي السوري، من الإنكار المستمر لوقوع انتهاكات واسعة منذ عام 2011، إلى التلميح – ولو ضمنيًا – بوقوع تجاوزات تستحق الملاحقة القضائية. هذا التغيير، وإن كان شكليًا أو محدود السياق حتى اللحظة، يحمل أبعادًا سياسية وقانونية متعددة، في ظل الحديث المتزايد عن “عدالة انتقالية” واستحقاقات ما بعد الحرب.
آلة القمع
اللافت أن من بين المحالين إلى التحقيق شخصيات ارتبطت بشكل وثيق بآلة القمع، ليس فقط من خلال مواقعهم الأمنية، كما في حالة عاطف نجيب (ابن خالة بشار الأسد)، أو محمد الشعار (وزير الداخلية الأسبق)، بل أيضًا من خلال أدوارهم الدعائية، كما في حالة المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، الذي مثّل الصوت الديني الرسمي للنظام خلال أسوأ مراحل القمع، ويُعرف بمواقفه التي برّرت قصف المدن بـ”البراميل المتفجرة” تحت غطاء ديني.
ورغم أن وزارة العدل السورية قدمت الخطوة باعتبارها جزءًا من “العدالة الانتقالية”، فإن ذلك يثير التساؤل حول مدى صدقية هذا التوجه، ومدى استقلال القضاء في ظل استمرار النظام ذاته في الحكم، خاصة وأن جميع من تم ذكرهم كانوا جزءًا من منظومة الأسد خلال السنوات الماضية، وليسوا خصومًا سياسيين أو منشقين.
الرسالة السياسية من الخطوة قد تكون موجهة إلى الخارج أكثر من الداخل؛ فمع تزايد الضغط الدولي على دمشق، ومحاولات تطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية والغربية، فإن النظام يحاول أن يُظهر استعداده لتقديم “تنازلات قانونية”، من دون أن تمسّ رأس النظام أو أركانه الرئيسيين. وبالتالي، فإن إحالة بعض الشخصيات “المستهلكة” أو الأقل فاعلية اليوم إلى التحقيق، قد يُستخدم كورقة في سياق إعادة تأهيل النظام دوليًا.
كسر جدار الحصانة
داخليًا، تبدو ردود الفعل الشعبية منقسمة بين من يرى في الخطوة بداية – ولو متأخرة – لكسر جدار الحصانة الذي تمتّعت به أجهزة الأمن لعقود، وبين من يشكك في مصداقية التحقيقات، ويخشى من استخدام القضية في تصفية حسابات داخلية أو تقديم كبش فداء لصالح إعادة تجميل النظام.
بالمجمل، فإن إحالة شخصيات نافذة سابقًا إلى التحقيق ليست مجرد خطوة قانونية، بل تمثل لحظة اختبار لمدى استعداد السلطة في سوريا للتعامل الجاد مع ملف المحاسبة والانتهاكات. نجاح هذه الخطوة مرهون بمدى شفافيتها، وشموليتها، واستقلالية القضاء، وهو ما سيحدّد إن كانت خطوة نحو العدالة، أم مجرد استعراض سياسي لا يغير شيئًا في عمق الأزمة السورية.






