بعد عام ونصف من سقوط نظام بشار الأسد، لا تزال آلاف العائلات السورية تبحث عن إجابات حول مصير أحبائها، فيما ينتظر الضحايا وذووهم محاسبة المسؤولين عن سنوات طويلة من القمع والانتهاكات. وبينما كانت آمال كثير من السوريين تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها العدالة والمصالحة، عاد الشارع إلى الاحتجاج مطالباً بالإسراع في محاكمة رموز النظام السابق وإنصاف الضحايا.
ومنذ مطلع يونيو/حزيران، شهدت عدة مدن سورية موجة من المظاهرات التي تعكس تزايد الإحباط الشعبي من بطء إجراءات العدالة الانتقالية، في وقت تواجه فيه الحكومة الجديدة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة.
من سقوط النظام إلى معركة العدالة
في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، انتهى حكم بشار الأسد بعد انهيار النظام أمام تقدم فصائل المعارضة المسلحة، ليطوي السوريون صفحة امتدت لأكثر من عقد من الحرب والصراع.
لكن سقوط السلطة السابقة لم ينهِ معاناة الضحايا، بل فتح مرحلة جديدة تتعلق بكيفية التعامل مع إرث الانتهاكات التي رافقت سنوات الحرب.
فآلاف السوريين ما زالوا يطالبون بكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتقالات والتعذيب والقتل، إضافة إلى تقديم تعويضات للمتضررين وإعادة الاعتبار للضحايا.
احتجاجات بدأت من دير الزور
انطلقت شرارة التحركات الأخيرة من مدينة دير الزور تحت شعار “اعتصام الكرامة”، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى بينها حلب وإدلب.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بمحاكمات علنية للمسؤولين السابقين، وتسريع ملاحقة المتورطين في الانتهاكات، مع التأكيد على حق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.
ويرى كثير من المشاركين أن مرور أكثر من عام على سقوط النظام من دون نتائج ملموسة في ملفات المحاسبة خلق شعوراً متزايداً بالإحباط، خاصة لدى العائلات التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الصراع.
عندما يتحول الغضب إلى انتقام
لكن بعض الاحتجاجات شهدت تطورات مقلقة، إذ تحولت مطالب العدالة في بعض المناطق إلى أعمال انتقامية استهدفت أشخاصاً متهمين بالتعاون مع النظام السابق.
وسجلت حوادث اعتداء وتخريب طالت ممتلكات وأفراداً يُعتقد أنهم كانوا مرتبطين بالسلطة السابقة، ما أثار مخاوف من تحول بعض التحركات الشعبية إلى عمليات تصفية حسابات خارج إطار القانون.
ويحذر مراقبون من أن غياب العدالة السريعة والشفافة قد يدفع بعض الضحايا أو ذويهم إلى البحث عن وسائل بديلة لتحقيق ما يرونه إنصافاً، وهو ما قد يهدد الاستقرار الهش الذي تحاول البلاد ترسيخه بعد سنوات الحرب.
الحكومة بين المحاسبة ومنع الفوضى
تجد السلطات السورية الجديدة نفسها أمام معادلة صعبة.
فمن جهة، هناك مطالب شعبية واسعة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات. ومن جهة أخرى، تسعى الحكومة إلى منع الانزلاق نحو دوامة جديدة من الانتقام والعنف.
وأكد مسؤولون حكوميون أن المطالبة بالعدالة حق مشروع، لكنهم شددوا على ضرورة أن تتم المحاسبة عبر المؤسسات القضائية والقانونية، لا من خلال ردود فعل فردية أو جماعية.
وتعتبر السلطات أن نجاح العدالة الانتقالية يتطلب تحقيق التوازن بين إنصاف الضحايا والحفاظ على السلم الأهلي ومنع تفكك مؤسسات الدولة.
الأزمة الاقتصادية تزيد الاحتقان
لا ترتبط الاحتجاجات الحالية بالملف القضائي وحده، بل تتداخل معها أزمة اقتصادية خانقة تعيشها البلاد منذ سنوات.
فارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار الصعوبات المعيشية، كلها عوامل ساهمت في زيادة حالة الغضب الشعبي.
ويشعر بعض السوريين بأن شخصيات مرتبطة بالنظام السابق ما زالت تتمتع بنفوذ اقتصادي أو امتيازات معينة، في وقت يعاني فيه جزء كبير من السكان من ظروف معيشية صعبة.
لذلك أصبحت المطالب الاقتصادية والاجتماعية جزءاً أساسياً من المشهد الاحتجاجي، إلى جانب المطالبة بالمحاسبة والعدالة.
العدالة الانتقالية.. الاختبار الأصعب
تمثل العدالة الانتقالية أحد أكبر التحديات التي تواجه سوريا الجديدة.
فهذا المسار لا يقتصر على اعتقال المسؤولين السابقين ومحاكمتهم، بل يشمل أيضاً كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي تورطت في الانتهاكات.
ويرى خبراء أن نجاح هذه العملية سيكون عاملاً حاسماً في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وفي منع عودة الانقسامات التي غذت سنوات الصراع.
لكن تنفيذ هذه المهمة يتطلب وقتاً وإمكانات كبيرة، إضافة إلى توافق سياسي ومجتمعي حول شكل العدالة المطلوبة.
هل تكفي الاعتقالات لتهدئة الشارع؟
تؤكد الحكومة أنها بدأت بالفعل ملاحقة عدد من المسؤولين السابقين، وأعلنت عن اعتقالات وتحقيقات في ملفات مرتبطة بانتهاكات وقعت خلال الحرب.
غير أن كثيراً من المحتجين يرون أن هذه الخطوات ما زالت أقل من حجم التوقعات، مطالبين بمزيد من الشفافية والإعلان عن نتائج التحقيقات بشكل دوري.
وفي ظل استمرار الاحتجاجات، يبدو أن الشارع السوري يوجه رسالة واضحة للسلطات الجديدة: سقوط النظام كان بداية الطريق فقط، أما العدالة الحقيقية فما زالت هدفاً لم يتحقق بعد.
وبين رغبة الضحايا في المحاسبة وخشية الدولة من الانزلاق إلى الفوضى، تقف سوريا أمام أحد أكثر الملفات حساسية منذ نهاية الحرب؛ ملف قد يحدد شكل المرحلة المقبلة ومستقبل المصالحة الوطنية في البلاد.




