بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى قمة مجموعة السبع وما خرجت به من مواقف بشأن أوكرانيا وإيران، بدا واضحاً أن روسيا كانت الغائب الأكبر عن طاولة التأثير. فموسكو، التي كانت يوماً عضواً في مجموعة الثماني قبل استبعادها عام 2014، وجدت نفسها مجدداً خارج دائرة القرار الغربي، في وقت تتزايد فيه عزلتها السياسية عن العواصم الأوروبية والأميركية.
لكن الكرملين سارع إلى توجيه أنظاره شرقاً، مستضيفاً قمة مع قادة دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في مدينة قازان، في محاولة لإظهار أن روسيا لا تزال تمتلك شركاء مؤثرين على الساحة الدولية.
قمة السبع.. روسيا خارج المشهد
لم تحمل اجتماعات مجموعة السبع أي مؤشرات على عودة روسيا إلى دائرة الحوار مع القوى الغربية.
ففي الملفات الرئيسية التي ناقشتها القمة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط، بدت موسكو مجرد طرف تتم مناقشة سياساته لا شريكاً في صياغة الحلول.
ويرى مراقبون أن هذا الواقع يعكس استمرار القطيعة السياسية بين روسيا والغرب منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، وهي قطيعة ازدادت عمقاً مع العقوبات الاقتصادية المتتالية والمواجهات الدبلوماسية المتكررة.
قازان.. منصة روسية بديلة
في المقابل، منح اجتماع قازان للرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة لإظهار صورة مختلفة تماماً.
فالكرملين استقبل قادة دول آسيان احتفالاً بمرور 35 عاماً على العلاقات بين الجانبين، في رسالة سياسية تؤكد أن روسيا لا تزال قادرة على بناء شراكات خارج الإطار الغربي.
وتحظى هذه القمة بأهمية خاصة بالنسبة لموسكو، ليس فقط بسبب بعدها الدبلوماسي، بل أيضاً بسبب التحولات الاقتصادية التي شهدتها السنوات الأخيرة.
فمع تراجع العلاقات التجارية مع أوروبا، أصبحت الأسواق الآسيوية أحد أهم المنافذ أمام الصادرات الروسية، خصوصاً في قطاعي النفط والغاز.
آسيا.. الرئة الاقتصادية الجديدة لروسيا
منذ فرض العقوبات الغربية الواسعة على موسكو، عملت روسيا على إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو آسيا.
وأصبحت دول جنوب شرق آسيا والصين والهند من أبرز الشركاء التجاريين الذين ساعدوا الاقتصاد الروسي على التكيف مع الضغوط الغربية.
ولهذا ينظر الكرملين إلى العلاقات مع آسيان باعتبارها أكثر من مجرد تعاون دبلوماسي، بل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على الأسواق الأوروبية.
بوتين يبحث عن صورة القوة
إلى جانب الملفات الاقتصادية والسياسية، شكلت قمة قازان فرصة للرئيس الروسي للظهور في مشهد مختلف عن أجواء الحرب والعقوبات.
فالإعلام الروسي ركز على اللقاءات الثنائية والفعاليات العامة التي شارك فيها بوتين، في محاولة لإبراز صورة زعيم لا يزال يحظى بالاستقبال والترحيب على الساحة الدولية.
كما حرص الكرملين على إظهار الرئيس الروسي وسط حشود من المواطنين في العاصمة التتارية، وهي مشاهد أصبحت أقل تكراراً خلال الأشهر الأخيرة مع انشغال موسكو بالملفات الأمنية والعسكرية.
الإعلام الروسي: تجاهل متبادل للغرب
رحبت وسائل إعلام روسية عديدة بالتزامن بين قمة قازان واجتماعات مجموعة السبع، معتبرة أن موسكو لم تعد بحاجة إلى انتظار اعتراف أو قبول من شركائها الغربيين السابقين.
ويعكس هذا الخطاب توجهاً متزايداً داخل النخبة الروسية يقوم على فكرة أن مركز الثقل الاقتصادي والسياسي العالمي يتحرك تدريجياً نحو آسيا، وأن المستقبل الاستراتيجي لروسيا يجب أن يُبنى على هذا التحول.
غير أن منتقدين لهذا الطرح يشيرون إلى أن العلاقات مع آسيا، رغم أهميتها، لا تستطيع بالكامل تعويض الخسائر السياسية والاقتصادية الناتجة عن القطيعة مع أوروبا والولايات المتحدة.
بين العزلة الغربية والانفتاح الشرقي
تكشف التحركات الروسية الأخيرة عن واقع جيوسياسي جديد تحاول موسكو التكيف معه.
ففي الوقت الذي تجد فيه نفسها مستبعدة من المنتديات الغربية الكبرى، تسعى إلى تعزيز حضورها داخل التكتلات الآسيوية والاقتصادات الصاعدة.
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو ما إذا كانت هذه الاستراتيجية قادرة على تحويل روسيا من دولة تواجه ضغوطاً وعقوبات غير مسبوقة إلى قوة دولية تستعيد نفوذها عبر البوابة الآسيوية.
وفي انتظار الإجابة، تبدو قازان بالنسبة للكرملين أكثر من مجرد قمة دبلوماسية؛ إنها رسالة سياسية مفادها أن روسيا، رغم خلافاتها العميقة مع الغرب، لا تنوي البقاء على هامش النظام الدولي.




