قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في مؤتمر صحافي اليوم الإثنين، إن إسرائيل مهتمة بإقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع سوريا ولبنان، لكنها لن تتفاوض على مصير هضبة الجولان في أي اتفاق سلام.
وأكد ساعر أن “إسرائيل مهتمة بتوسيع نطاق اتفاقات أبراهام ودائرة السلام والتطبيع (في المنطقة)”، مضيفاً: “لدينا مصلحة في ضم دول جديدة، مثل سوريا ولبنان، إلى هذه الدائرة، مع الحفاظ على المصالح الأمنية والجوهرية لدولة إسرائيل”.
يأتي هذا التصريح في وقت يشهد فيه المشهد الإقليمي حالة من الغموض والتقلب، لاسيما بعد عام من المواجهات بين إسرائيل ولبنان، وبالتزامن مع التطورات الجذرية في سوريا، حيث سقط نظام الرئيس بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، ما فتح الباب أمام متغيرات داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.
بين الجغرافيا والسياسة: إسرائيل على بعد 35 كيلومتراً من دمشق
التطورات الميدانية التي أعقبت نهاية حكم الأسد أعادت تشكيل الواقع الأمني في سوريا، فمع سيطرة إسرائيل على مواقع استراتيجية في الجنوب السوري عبر تحالفات غير معلنة، باتت المسافة الفاصلة بينها وبين العاصمة دمشق لا تتجاوز 35 كيلومتراً، وهو تحول جغرافي/أمني غير مسبوق منذ حرب 1973.
في ضوء هذا التغير، أصبح التخوف من تدخل عسكري إسرائيلي واسع النطاق هاجساً حقيقياً لدى السلطات الجديدة في سوريا، ما دفعها إلى التفكير في فرض معادلة جديدة تقوم على مبدأ السلام مقابل الأمن، ولكن بشروط تختلف كلياً عما كان مطروحاً في العقود السابقة.
واقع جديد.. ومعادلة جديدة
في المقابل، يقرأ المراقبون تصريحات جدعون ساعر على أنها تمهيد دبلوماسي لتكريس ما تعتبره إسرائيل “حقائق ميدانية لا رجعة عنها”، وعلى رأسها بقاء هضبة الجولان تحت السيادة الإسرائيلية.
ووفق تحليل لمراكز بحث غربية، فإن تل أبيب ترى في التغييرات السياسية في سوريا فرصة استراتيجية لإغلاق ملف الجولان نهائيًا عبر تطبيع مشروط، خاصة أن دمشق الجديدة، التي ما تزال تعيد ترتيب أوراقها الداخلية، قد تكون أقل قدرة على فرض شروط أو التمسك بالثوابت القديمة.
سلام لا يعني تنازلًا؟
في سوريا، لا تبدو الصورة واضحة بعد. فالنظام الجديد، الذي جاء في أعقاب سنوات من الحرب والانهيار، يدرك صعوبة الرهان على المواجهة العسكرية مع إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يظهر بمظهر المتنازل عن الأرض، خاصة في ملف حسّاس كالجولان.
ورغم أن الحديث عن “تنازلات” يبدو سابقًا لأوانه، إلا أن التوجه العام يشير إلى نوع من “البراغماتية السياسية” قد تُترجم إلى اتفاق سلام غير تقليدي، لا يتطرق مباشرة إلى قضية الجولان، بل يُبنى على تفاهمات أمنية واقتصادية مع إرجاء القضايا الخلافية.
الأولويات تغيّرت.. والشعب لا يهتم بالسلام
في الشارع السوري، لم تعد قضايا الصراع العربي الإسرائيلي تحتل موقع الصدارة كما كان في السابق. فبعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي، باتت أولويات المواطن السوري محصورة في تحسين معيشته، ووقف الانهيار المالي، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن أي مسار للسلام – حتى وإن شمل ترتيبات مع إسرائيل – قد يُقابل بقدر أقل من الرفض الشعبي، لا سيما إذا رُبط بمشاريع تنموية، أو مساعدات دولية، أو بوادر انفراج اقتصادي.
بين الثابت والمتغير
لكن حتى مع تغير الأولويات، يبقى الجولان بالنسبة للسوريين “أرضاً محتلة”، والخطاب الرسمي – حتى في عهد ما بعد الأسد – لا يزال ملتزماً بالموقف التاريخي الرافض للاعتراف بسيادة إسرائيل على الهضبة.
وهنا تبرز معضلة دمشق الجديدة: كيف يمكن خوض مفاوضات تطبيع أو سلام مع الحفاظ على الحد الأدنى من السيادة الرمزية والسياسية؟ وهل تقبل إسرائيل، في المقابل، شراكة دبلوماسية مع نظام لا يملك بعد رؤية متماسكة أو شرعية شعبية واضحة؟
النهاية مفتوحة.. واحتمالات متعددة
الواضح حتى الآن أن المشهد السوري-الإسرائيلي يدخل مرحلة جديدة من الحسابات السياسية. لا الحرب حتمية، ولا السلام سهل المنال. وبين هاتين النقطتين، تحاول الأطراف الإقليمية والدولية رسم خطوط تفاهم تحفظ المصالح، وتمنع انفجاراً شاملاً في منطقة باتت قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وفي انتظار تطورات الداخل السوري، ومواقف القوى الدولية الكبرى، ستبقى هضبة الجولان عنواناً معلّقاً على أبواب قاعات التفاوض… وأيضًا على حدود النار.







