يمثّل «الإطار التنسيقي» الشيعي اليوم المعادلة الأكثر تعقيداً في المشهد السياسي العراقي، ليس فقط بسبب طبيعة القوى المشكلة له، بل بفعل شبكة التنافسات والتقاطعات الداخلية التي تحكم علاقة أطرافه. فهذه التركيبة التي تضم أكثر من عشرين زعيماً وكتلة، وتستند إلى قاعدة عريضة من المقاعد البرلمانية تجعلها «الكتلة الأكبر» عدداً، تبدو في ظاهرها متماسكة حول مبدأ أساسي راسخ هو ضمان بقاء منصب رئاسة الوزراء ضمن الحصة الشيعية، انسجاماً مع التوازنات العرفية التي حكمت النظام السياسي منذ العام 2003. غير أن هذا التوافق العام يخفي خلفه تنوّعاً كبيراً في الرؤى والمصالح، يصوغ في النهاية مشهداً معقداً يهدد إمكانية التوصل سريعاً إلى مرشح متفق عليه لرئاسة الحكومة المقبلة.
تعاظم النفوذ على حساب مراكز القوى
ورغم أن أغلب قوى «الإطار التنسيقي» تتفق على ضرورة بقاء مركز القرار التنفيذي داخل المكوّن الشيعي، فإنها تختلف في مقاربة ملفات حيوية تتعلق بإدارة الدولة، وحدود صلاحيات رئيس الوزراء، وطبيعة العلاقة مع القوى الدولية، خصوصاً الولايات المتحدة وإيران. فبعض الأطراف تميل إلى منح رئيس الوزراء مساحة أوسع في اتخاذ القرار، بينما تتشدد أطراف أخرى في ضرورة الحد من أي نزعة انفلات قد تؤدي إلى تعاظم نفوذ شخصية على حساب مراكز القوى المتعددة داخل البيت الشيعي. وتكشف هذه المقاربات المتباينة عن تحدٍ مستمر داخل الإطار يتعلق بإمكانية إعادة إنتاج تجربة قادرة على الجمع بين الاستقلال السياسي من جهة، والالتزام بتوازنات السلطة الداخلية من جهة أخرى.
تزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى نسيج العلاقات المتشابك داخل «الإطار التنسيقي». فإعلان الكتلة نفسها بوصفها «الأكبر» بعد حصولها على نحو 175 مقعداً من أصل 329، لم يُترجم إلى قوة تفاوضية متماسكة، لأن هذا العدد الكبير من المقاعد موزع فعلياً على أطراف متعددة ذات مصالح متباعدة، وبعضها يمتلك تأثيراً ميدانياً مسلحاً يزيد من حساسية المشهد. وفي هذا السياق، يبرز تحدٍ إضافي يتمثل في غياب مركز ثقل ثابت قادر على فرض مرشح وحيد أو حتى بلورة توافق سريع، ما يفتح الباب أمام مفاوضات طويلة ومتشعبة.
نقاط الضعف أكثر منها نقاط القوة
وفي صدارة القوى التي تواجه اختبارات حسّاسة يأتي تحالف «التنمية والإعمار» الذي يقوده رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، والذي حقق 46 مقعداً في الانتخابات الأخيرة. غير أن هذا الرقم، الذي يوحي بقدرة تفاوضية كبيرة، يبدو أقل وزناً عند تفكيكه. فالسوداني وحزبه «الرافدين» لا يملكان سوى نحو 15 مقعداً «صافياً»، فيما تتوزع بقية المقاعد على شخصيات وأحزاب ذات حساباتها الخاصة، من بينها شخصيات شيعية وسنية يمكن أن تتخلى عنه في أي لحظة إذا ما رأت أن مصالحها قد تتضرر من منحه ولاية ثانية. ومن هنا، يبدو التحالف الذي يفترض أن يكون رافعة لترشيح السوداني هشّاً، وعرضة للتصدع عند أول اختبار تفاوضي جدي داخل الإطار.
ولا تساعد بنية التحالف في تعزيز موقع السوداني على طاولة المفاوضات، رغم وجود شخصيات بارزة مثل رئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض الذي يمتلك ما لا يقل عن ثمانية مقاعد، ووزير العمل أحمد الأسدي الذي يملك أربعة إلى خمسة مقاعد، إضافة إلى مجموعة من السياسيين السنة الذين يحوزون ما بين خمسة إلى ستة مقاعد داخل التحالف. فهذه التوليفة غير المتجانسة، التي تجمع أطرافاً ذات ميول سياسية وولاءات مختلفة، تُعد نقطة ضعف أكثر منها نقطة قوة، لأن إمكانية انسحاب أي طرف منها قد تؤدي إلى انهيار الوزن التفاوضي للسوداني بصورة سريعة.
الصورة لا تختلف كثيراً عند النظر إلى ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، الذي حلّ في المركز الثاني داخل الإطار بحصوله على 30 مقعداً. فعلى الرغم من مكانة المالكي التاريخية داخل البيت الشيعي، فإن حزبه «الدعوة» لا يمتلك سوى نحو عشرة مقاعد «صافياً». بينما ذهبت 12 مقعداً إلى حزب «الفضيلة»، ونحو ثمانية مقاعد إلى أبو آلاء الولائي، وهو ما يجعل ائتلافه هو الآخر مفتتاً من الداخل، ويحد من قدرته على تقديم المالكي كمرشح قوي أو قادراً على فرض شروط تفاوضية صارمة.
مسار اختيار رئيس الوزراء
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، تتجه الأنظار إلى قوتين تزدادان ترجيحاً داخل الإطار، هما «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، ومنظمة «بدر» بقيادة هادي العامري. فهاتان القوتان تمتلكان مقاعد «صافية» بالكامل—27 مقعداً للعصائب و21 لبدر—وهو ما يمنحهما وزناً تفاوضياً أعلى بكثير من القوى التي تعتمد على تحالفات واسعة وغير متجانسة. ويمكن لهذه الكتلة «النقيّة» من المقاعد أن تشكل العامل المقرر في مسار اختيار رئيس الوزراء، خصوصاً أن الخزعلي والعامري يتمتعان بعلاقات متينة مع بقية الأطراف الشيعية، ولديهما قدرة على التأثير في ميزان القوى داخل الإطار.
ومع ذلك، فإن تفضيل بعض القوى الداخلية لأي من الخزعلي أو العامري قد يصطدم بعامل خارجي لا يقل تأثيراً: وهو الموقف الأميركي. فالإشارة التي أطلقها وزير الخارجية فؤاد حسين قبل أشهر حول رفض واشنطن مشاركة شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة في الحكومة المقبلة، تُلقي بظلال ثقيلة على خيارات الإطار. وتزداد التعقيدات عندما نرى أن بعض الشخصيات—مثل أبو آلاء الولائي—مدرجة على لائحة الإرهاب الأميركية، بينما تخضع «عصائب أهل الحق» لعقوبات، كما توجد فصائل أخرى مدرجة على قوائم مشابهة، ما يجعل وصول أي من هذه الأسماء إلى رئاسة الوزراء أمراً شديد الحساسية سياسياً ودبلوماسياً.
هذا التداخل بين الإرادة الداخلية والتأثيرات الخارجية يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، بعضها يتجه نحو مرشح «توافقي» غير مشاكس، يستطيع تحقيق توازن بين المصالح المتباينة داخل الإطار ولا يثير اعتراضاً دولياً، خصوصاً من الولايات المتحدة. فيما قد يدفع سيناريو آخر نحو اختيار شخصية قوية من داخل أحد الأجنحة الصاعدة، خصوصاً إذا استطاعت هذه الشخصية الحصول على دعم مكونات مؤثرة داخل الإطار، مع ضمان عدم اعتراض إيراني واضح، وهو العامل الذي لا يمكن إغفاله في بنية القرار الشيعي.
معادلة شديدة التعقيد
ويبدو واضحاً أن معركة اختيار رئيس الوزراء لن تُحسم استناداً إلى عدد المقاعد فحسب، بل وفق معادلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية والإقليمية. فالإطار، رغم حجم مقاعده، ليس بنية صلبة قادرة على إنتاج قرار واحد بقدر ما هو تجمّع لمراكز نفوذ تبحث كل منها عن تعزيز موقعها داخل السلطة التنفيذية. ومن ثم، قد تستغرق المفاوضات وقتاً أطول مما هو متوقع، وقد تشهد مساومات وتحالفات متغيرة لحظة بلحظة، قبل أن تتشكل صورة الحكومة المقبلة.
وبذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس من سيتولى منصب رئاسة الوزراء فحسب، بل: هل سيتمكن «الإطار التنسيقي» من الحفاظ على وحدته بما يكفي للوصول إلى قرار جامع، أم أن مرحلة «التشظي الهادئ» التي بدأت منذ سنوات ستعود لتلقي بظلالها الثقيلة على مسار تشكيل الحكومة، وربما على استقرار النظام السياسي بأكمله؟






