تعكس التحركات الليبية الأخيرة، في ملف الحدود البحرية بشرق المتوسط، انتقال الأزمة من إطارها القانوني – الدبلوماسي التقليدي إلى مستوى أكثر تعقيدًا وتشابكًا، تختلط فيه اعتبارات السيادة الوطنية بحسابات الطاقة والجغرافيا السياسية.
وتقدمت طرابلس باحتجاج إلى الأمم المتحدة ضد اليونان، وما تبعه من إعادة تأكيد لمذكرة التفاهم الليبية -التركية لعام 2019، يعكس سعي طرابلس إلى تثبيت موقعها كلاعب فاعل في معادلة شرق المتوسط، بعد سنوات من الغياب النسبي بسبب الانقسام الداخلي.
احتجاج دبلوماسي إلى الأمم المتحدة
ردود الفعل اليونانية – الأوروبية، والتحركات التركية المتزامنة، تؤكد أن الصراع لم يعد نزاعًا ثنائيًا حول خطوط بحرية، بل بات جزءًا من صراع أوسع على النفوذ وأمن الطاقة، حيث تتقاطع مصالح دولية وإقليمية كبرى، ما يجعل شرق المتوسط ساحة مفتوحة لتوازنات هشة، قابلة للاهتزاز مع أي تصعيد سياسي أو عسكري.
وحسب موقع ibyaobserver.ly، قدمت ليبيا احتجاجًا دبلوماسيًا إلى الأمم المتحدة ضد مطالب اليونان بالحدود البحرية جنوب وغرب جزيرة كريت، ووفقا لصحيفة «توفيما» اليونانية فإن ليبيا قدمت المذكرة الدبلوماسية إلى الأمم المتحدة في 20 يونيو2025 ونشرت في 3 يوليو2025 وهذه هي المرة الأولى التي تطالب فيها طرابلس رسميا بمناطق في شرق البحر الأبيض المتوسط كانت اليونان قد خصصتها سابقا للتنقيب عن الهيدروكربونات البحرية ويتمحور النزاع حول مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا لعام 2019 والتي ترفضها أثينا باعتبارها «غير صالحة قانونا بموجب القانون البحري الدولي».
المذكرة الدبلوماسية الليبية ترفض ما يسمى بـ «الخط المتوسط» الذي رسمته اليونان والذي يستخدم كأساس لترخيص كتل التنقيب البحرية جنوب جزيرة كريت وتؤكد ليبيا أن هذه المياه جزء من نزاع بحري ثنائي لم يتم حله وتعتبرها تقع ضمن ولايتها البحرية ووفقا للوسيلة الإعلامية اليونانية تتهم طرابلس أثينا بإيجاد وضع بحكم الأمر الواقع يضر بالحقوق السيادية لليبيا واصفة إجراءات الترخيص اليونانية بأنها غير قانونية وأحادية الجانب دون أساس قانوني أو اتفاق ثنائي.
محاولة منع استكشافات النفط
وشددت ليبيا على أن مناقصات التنقيب اليونانية – المعروضة على شركات الطاقة الكبرى مثل إكسون موبيل وتوتال – تنتهك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتدعو المذكرة الليبية المقدمة للأمم المتحدة المجتمع الدولي بقيادة الأمم المتحدة إلى المساعدة في الحفاظ على السلام والاستقرار في البحر الأبيض المتوسط ومنع الأعمال التي يمكن أن تصعد التوترات وتعترض ليبيا في مذكرتها على وجه التحديد على المناقصة الدولية التي أطلقتها اليونان في 12 يونيو2025 والتي عرضت استكشافها منطقتين بحريتين كبيرتين «كريت 1» و«كريت 2».
وتزعم طرابلس أن أكثر من 85٪ من المساحة البالغة 23,300 كيلومتر مربع التي تغطيها هذه الكتل تقع داخل المنطقة البحرية الليبية ووفقا لمؤسسة النفط الوطنية الليبية كانت اليونان قد منحت سابقا تراخيص في هذه المناطق المتنازع عليها مشيرة إلى أن إكسون موبيل أجرت مسوحات زلزالية هناك في عامي 2022 و2024 مع خطط الحفر الجارية حاليا على الرغم من أن تركيا أعلنت سابقا عن منطقة اقتصادية خالصة بناء على مذكرة التفاهم لعام 2019 إلا أن ليبيا لم تفعل الشيء نفسه رسميا حتى الآن. حسب موقع ibyaobserver.ly.
ونوهت المذكرة الليبية بأن هذه ليست المرة الأولى التي تمنح فيها حكومة اليونان تراخيص استكشاف في مناطق داخل الحدود البحرية الليبية.فقد تم منح التراخيص السابقة لشركة توتال (فرنسا) وإكسون موبيل (الولايات المتحدة الأمريكية) واستحوذت الأخيرة لاحقا على حصة توتال وشرعت في أنشطة الاستكشاف بما في ذلك المسوحات الزلزالية ثنائية الأبعاد في عام 2022 والمسوحات ثلاثية الأبعاد في عام 2024 تليها إعلان عن نية إجراء الحفر الاستكشافي.
ليبيا تعترض على إصدار تراخيص التنقيب
ووفقاً لموقع ekathimerini.com اليوناني في 17 يوليو2025 فقد نشرت الأمم المتحدة المذكرة الليبية الثانية والمؤرخة في 27 مايو 2025 رسميا في 1 يوليو وفي هذه الوثيقة تؤكد ليبيا مجددا أن مذكرة التفاهم لعام 2019 مع تركيا تشكل «حلا عادلا يتم التوصل إليه على أساس القانون الدولي» وتؤكد أنه «لا يحق لليونان ولا مصر التمتع بحقوق سيادية في المناطق البحرية المحددة بين ليبيا وتركيا وفقا للقانون الدولي».
تعترض ليبيا بشدة على إصدار تراخيص التنقيب عن الهيدروكربونات من قبل كلا البلدين في المياه المتنازع عليها وعلى محاولات اليونان ومصر لتحديد وإصدار مناطق التراخيص لأنشطة التنقيب عن الهيدروكربونات على التوالي في عامي 2014 و 2021 كما حدث مؤخرا في أبريل 2024.
ويشير موقع ekathimerini.com كذلك إلي أن ليبيا تواصل اتهام اليونان بـ «مواصلة أنشطة المسح والحفر الأحادية الجانب في ما يسمى بمناطق الترخيص البحرية منذ 26 نوفمبر 2022» مع تجاهل تام للحقوق السيادية لليبيا وفي انتهاك خطير لقواعد وممارسات القانون الدولي المعمول بها بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وعلق الموقع علي ما تقدم بقوله : أن المذكرة الليبية تستهدف أيضا الخطة المكانية البحرية اليونانية (MSP) فالجانب الليبي أكد أن بعض المناطق في الجزء الجنوبي من خريطة MSP اليونانية تنتهك الجرف القاري الليبي في البحر الأبيض المتوسط حيث تتمتع ليبيا بحكم الواقع والبدء بحقوق سيادية وولاية قضائية وفقا للقانون الدولي.
البرلمان الليبي يستنكر دعوة اليونان إلى إلغاء مذكرة التفاهم
بالإضافة إلى ذلك ينتقد الليبيون إعلان اليونان عن منطقة اقتصادية خالصة في البحر الأيوني بتاريخ 17 أبريل 2025 مشيرين إلى أنها «تتعدى على الجرف القاري لدولة ليبيا» وأن هذا الإعلان «يتعارض مع المبادئ الراسخة للقانون البحري الدولي»، وقد ردت مصادر دبلوماسية يونانية على الملف الليبي لدى الأمم المتحدة، قائلة إن المذكرة الشفوية «لا تنتج أي آثار قانونية».
من جانبه، استنكر البرلمان الليبي، دعوة اليونان إلى إلغاء مذكرة التفاهم الموقعة بين طرابلس وأنقرة منذ 2019 بشأن ترسيم الحدود البحرية، واعتبرها “تعديا واضحا على السيادة الوطنية” وذلك وفق بيان للنائب الثاني لرئيس مجلس النواب الليبي مصباح دومة أوحيدة.
وخلال لقائه برئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في أثينا، قال رئيس البرلمان اليوناني نيكيتاس كاكلامانيس إنه يجب إلغاء مذكرة التفاهم التركية الليبية المبرمة في 2019. وتتعلق تلك الاتفاقية بترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، بينما رفضتها اليونان بزعم أنها “اعتداء” على منطقتها الاقتصادية.
مقترح عقيلة صالح
ويتمحور جوهر الخلاف حول المنطقة البحرية جنوب شرق جزيرة كريت، الغنية بمصادر الغاز، التي تعتبرها اليونان “جزءاً أصيلا” من حدودها، بينما دخلت ضمن نطاق مشترك بين ليبيا وتركيا في اتفاق 2019.
وأطلق رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، الاثنين، مقترحاً بعقد حوار «مباشر وشفاف» يضم ليبيا وتركيا ومصر واليونان، بهدف التوصل إلى إطار متوافق عليه لترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، متمسكاً برفض أي اتفاقيات لا تُعرض على مجلس النواب والحكومة المكلفة من جانبه، التي وصفها بـ«الشرعية».






