الكشف الذي أورده موقع “دروب سايت نيوز” بشأن توقيع شركة “غوغل” عقدًا بقيمة 45 مليون دولار مع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يضع العلاقة بين التكنولوجيا والسياسة تحت المجهر من زاوية حساسة تتعلق بتوجيه الرأي العام والتلاعب بالسرديات في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية المعاصرة. فالاتفاق، الممتد لستة أشهر، يهدف إلى الترويج للرواية الإسرائيلية بشأن حرب غزة والتقليل من شأن الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون منذ أكثر من سبعمئة يوم، في وقت تتوالى فيه التقارير الدولية التي تصف ما يجري بالمجاعة المصنوعة عمدًا.
المثير في الأمر ليس فقط حجم المبلغ المرصود، بل طبيعة الوسائط المستخدمة. فالإعلانات تُبث عبر منصات “يوتيوب” و”غوغل ديسبلاي آند فيديو 360″، وهي منصات تحظى بانتشار عالمي وتؤثر مباشرة على تشكيل وعي الجماهير، خصوصًا مع توصيف الوثائق الحكومية الإسرائيلية لهذه الحملة بمصطلح “هاسبارا”، أي الدعاية الممنهجة. هذا يوضح أن الهدف يتجاوز مجرد الرد الإعلامي التقليدي إلى بناء سردية موازية تسعى إلى إعادة تعريف الواقع أمام الرأي العام العالمي، بما يبرر سياسات الاحتلال أو يخفف من حدة النقد الموجه له.
تغيير بوصلة الرأي العام العالمي
تزامن هذه الحملة مع اتساع رقعة الإدانات الدولية لإغلاق المعابر ومنع دخول المواد الغذائية والعلاجية إلى غزة في مارس/آذار الماضي، يكشف عن استراتيجية متعمدة: بينما يُحكم الحصار ويُترك القطاع يواجه المجاعة، يجري ضخ موارد مالية هائلة لتسويق صورة مغايرة تمامًا. الفيديو الذي نشرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على يوتيوب مثال بارز، إذ نفى وجود مجاعة في غزة، وحصد أكثر من ستة ملايين مشاهدة، معظمها بفعل الترويج المدفوع. وهنا يتضح التناقض الصارخ بين الواقع الميداني الموثق وبين الرسائل المصطنعة التي يُراد فرضها على المتلقي الدولي.
هذا الاستخدام المكثف للدعاية الرقمية يعكس وعي إسرائيل بأهمية جبهة الإعلام في حروب العصر الحديث. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض أو في أروقة السياسة، بل انتقلت أيضًا إلى فضاءات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي حيث تتشكل الانطباعات وتُبنى المواقف. لكن خطورة هذه الاستراتيجية تكمن في أن شركات التكنولوجيا العملاقة، مثل “غوغل”، تصبح طرفًا فاعلًا في النزاعات، ليس فقط كوسيط تقني، بل كأداة تُستخدم في إعادة صياغة الحقيقة. وهو ما يطرح إشكالية أخلاقية حول مدى التزام هذه الشركات بمبادئ الحياد والمسؤولية الاجتماعية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمأساة إنسانية بهذا الحجم.
تزييف الحقائق بملايين الدولارات
في المقابل، تكشف الأرقام عن توزيع متعمد للجهود: ثلاثة ملايين دولار للإعلانات عبر منصة “إكس”، و2.1 مليون دولار عبر “أوت برين” الإسرائيلية، إلى جانب عقود “غوغل”، في محاولة لبناء جدار رقمي يحجب صورة غزة الحقيقية ويستبدلها برسائل مضادة. لكن مثل هذه الجهود، وإن حققت انتشارًا، لا تلغي الواقع ولا توقف تدفق الصور والتقارير المستقلة التي تنقل حجم الكارثة، بل تفضح في كثير من الأحيان التناقض بين الخطاب الدعائي والمعطيات الميدانية.
الرسالة النهائية التي يبعثها هذا التقرير أن الحرب على غزة لا تُدار بالسلاح وحده، بل عبر معركة سرديات لا تقل شراسة. وفي هذه المعركة، يصبح التحكم بالمعلومة وتوجيه الرأي العام جزءًا من الاستراتيجية العسكرية والسياسية. غير أن انخراط شركات التكنولوجيا في هذه اللعبة يفتح الباب أمام مساءلة جديدة: هل تبقى هذه الشركات كيانات تجارية محايدة، أم تتحول إلى أدوات في خدمة الحكومات لتمرير أجنداتها، حتى لو كان الثمن التلاعب بحقيقة مأساة إنسانية بحجم غزة؟






