أثار مقطع فيديو متداول للرئيس التونسي قيس سعيد عاصفة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن نُشر مرفقاً بادعاء يقول إن الرئيس هدّد إسرائيل بضرب تل أبيب بالصواريخ.
الفيديو حصد مئات آلاف المشاهدات والتعليقات، واعتُبر لدى كثيرين رسالة مباشرة موجهة إلى تل أبيب في ظل التوتر الإقليمي الراهن.
تحقق يكشف السياق الحقيقي
تحقيقات صحفية، بينها تقرير لـ”CNN بالعربية”، أكدت أن الفيديو لا يمت بصلة إلى تحذيرات ضد إسرائيل، بل يعود إلى 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حين التقى سعيد مع رئيس الحكومة الأسبق أحمد الحشاني وعدد من الوزراء، وكان يتحدث عن قانون الصلح الجزائي والأملاك المصادرة في تونس.
وحول السياق المضلل للفيديو خطاباً داخلياً إلى تهديد خارجي وهمي.
قانون مثير للجدل يعيد الفيديو للواجهة
القانون الذي أشار إليه سعيد في خطابه – “الصلح الجزائي” – شكّل في حينه محور جدل واسع، إذ اعتبرته الرئاسة وسيلة لاسترجاع الأموال المنهوبة عبر تسويات مالية، بينما انتقده معارضون وعدّوه مدخلاً لتبييض جرائم الفساد.
الكلمات القوية التي استخدمها الرئيس عن “الصواريخ” كانت مجازية، في سياق الحديث عن حزم الدولة في مواجهة الفساد وليس مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
وتجدد تداول الفيديو جاء متزامناً مع إعلان السلطات التونسية عن تعرض سفينة راسية في ميناء سيدي بوسعيد لـ”اعتداء مُدبر”.
وقالت وزارة الداخلية إنها فتحت تحقيقات موسعة لكشف ملابسات الحادث والمتورطين فيه، مؤكدة أن الأمر لا يخص تونس وحدها بل يهم الرأي العام العالمي. اللافت أن الاعتداء ارتبط بمبادرة “أسطول الصمود” التي تسعى لإيصال مساعدات إلى غزة، ما جعل بعض النشطاء يربطون بين الحادث والفيديو المتداول.
الإعلام الرقمي ومخاطر التضليل
يرى مراقبون أن إعادة نشر فيديو قديم في سياق جديد يعكس خطورة التضليل الإعلامي على المنصات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الأزمات الإقليمية، فمقطع قصير مبتور من سياقه يمكن أن يشعل تكهنات سياسية وأمنية، ويضع الدول في مواقف حرجة، وهو ما يستدعي تعزيز التحقق الصحفي والتدقيق الرقمي قبل تداول مثل هذه المقاطع.
قال الدكتور الحبيب بوقطفة، الباحث في الشأن السياسي التونسي، إن التضليل الرقمي بات أداة لتأجيج التوترات، مشيراً إلى أن الفيديو الأخير استُغل لإظهار تونس وكأنها تدخل في مواجهة مباشرة مع إسرائيل دون أساس واقعي.
وأكد الدكتور محمد الشرقاوي، أستاذ العلاقات الدولية، أن كلمات الرئيس سعيد كانت رمزية، لكن إخراجها من سياقها يعطي خصوم تونس مادة للتشكيك أو التصعيد، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطاب موجه نحو الداخل لمعالجة أزماتها الاقتصادية.
من جهته، أوضح الخبير الإعلامي عادل قرفاش أن مثل هذه المقاطع “تعيش حياة ثانية” عند كل أزمة إقليمية، إذ يعاد تدويرها لتناسب الأحداث الجارية، مما يضاعف من مخاطر الفهم الخاطئ للرأي العام المحلي والدولي.
تزامن غير بريء
بينما رأى المحلل الأمني كمال الزواري أن تزامن الفيديو مع حادث السفينة في سيدي بوسعيد ليس بريئاً، وربما يعكس محاولة أطراف خارجية لجرّ تونس إلى دائرة الاستقطاب الإقليمي عبر حملات إعلامية ممنهجة.
أما السفير السابق هشام المؤدب، فشدد على أن تونس لا تملك عقيدة عسكرية هجومية تجاه إسرائيل، وأن سياستها الخارجية قائمة على الحياد والدعم الإنساني للشعب الفلسطيني، وليس على تهديدات عسكرية، ما يؤكد أن ما جرى لا يتعدى خطاباً داخلياً أُسيء استخدامه إعلامياً.






