في خيمة صغيرة بُنيت من قماش مهترئ في دير البلح، يعيش الطفل راتب اقليق، ذو التسعة أعوام، حكاية تختصر وجع غزة كله. لم يعد جسده الصغير كما كان، فالغارة الإسرائيلية التي باغتته وهو في حضن أمه سرقت منه ساقه وأمه معاً في لحظة واحدة. منذ ذلك اليوم، لم يعد راتب مجرد طفل يلعب ويركض في الحارة، بل أصبح شاهداً على فداحة الألم الذي يعيشه أطفال غزة.
رمز لجيل كامل
ابتكر راتب من أنبوب بلاستيكي بسيط ما يشبه ساقاً بديلة، يساعده على الوقوف ومحاولة المشي من جديد. يضعه تحت جسده النحيل، يخطو ببطء شديد، وكأنه يختبر معنى الحياة وسط الخراب. لا يملك طرفاً صناعياً ولا مستشفى قادراً على علاجه، ومعابر غزة مغلقة في وجه حلمه البسيط بالسفر لتركيب قدم جديدة. كل ما لديه أنبوب وبعض الإرادة، ورغبة بأن يعود طفلاً مثل بقية أقرانه.
صورته وهو يحاول الوقوف بهذا الأنبوب البديل اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وأثارت حزناً وغضباً واسعين. لم ير الناس مجرد طفل فقد ساقه، بل رأوا رمزاً لجيل كامل يُمحى تحت الركام، جيل يكبر على الجروح والدمار ويبحث عن معنى للطفولة وسط حرب لا ترحم.
وجع آلاف الأطفال
راتب، بابتسامته الخجولة وخطواته المرتبكة، يقول الكثير من دون كلمات. يروي قصة الحرمان من أبسط الحقوق: حق اللعب، حق العيش بسلام، وحق أن يظل طفلاً لا شاهداً على الإبادة. حلمه الآن ليس مدرسة جديدة أو لعبة جميلة، بل ساق تعيده إلى براءة الطفولة التي سُلبت منه.
إنه ليس حالة فردية، بل مرآة لوجع آلاف الأطفال في غزة، أولئك الذين خطفت الحرب أعضاءهم وأمهاتهم وأحلامهم، وتركتهم معلّقين بين الحياة والألم. ورغم ذلك، يحاول راتب أن يمشي، خطوة بعد أخرى، ليقول للعالم إن أطفال غزة ما زالوا يتشبثون بالحياة، حتى ولو على أنبوب بلاستيكي.






