في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، ينام الرضيع أدهم أبو عرمانة على قطعة إسفنج مهترئة داخل خيمة لا تقيه برد الليل ولا حر النهار. عيناه الصغيرتان تلمعان بالحياة، لكن جسده النحيل يشهد على معركة بقاء قاسية يخوضها مع أسرته النازحة، في بيئة حرمتهم من أبسط مقومات العيش الكريم. منذ أن هجّرهم القصف من منزلهم، تحولت حياتهم إلى سلسلة من الأيام المتشابهة، حيث يختلط صوت الانفجارات بصوت بكاء الأطفال الجياع.
انتظار الموت
لا غذاء يسد جوعه ولا دواء يخفف من الحمى التي تزوره بين الحين والآخر. حليب الأطفال بات من الكماليات النادرة، ووالدته تحاول تهدئته بماء مُحلى أو قطعة خبز يابسة، رغم علمها أن معدته الصغيرة لا تتحمل ذلك. في المخيم، لا يختلف حال أدهم عن آلاف الأطفال الذين فقدوا بيوتهم ومدارسهم، وأصبحوا أسرى خيام مهترئة تفصلهم عن الموت مسافة دعاء وصمود.
المشهد في المخيم يختزل قسوة الحصار؛ وجوه شاحبة، ملابس بالية، وأقدام صغيرة حافية تدوس على التراب المبلل بمياه الصرف الصحي. تنتشر الأمراض بسهولة بين الأطفال، إذ إن غياب النظافة والمياه الصالحة للشرب يجعلهم عرضة للإصابة بالإسهال والجفاف والتهابات الجلد. ورغم وجود بعض المساعدات، إلا أن الطريق إليها محفوف بالمخاطر، فالقصف الإسرائيلي لا يميز بين مركز توزيع إغاثة وبيت يسكنه مدنيون.
حكاية جيل
أدهم، الذي لم يتجاوز عامه الأول، لم يعرف طعم الأمان بعد. كل ما رآه منذ ولادته هو الخيام والدمار والوجوه القلقة. حلمه الصغير ربما لا يتجاوز أن ينام ليلة واحدة بلا جوع، أو أن يفتح عينيه صباحًا على ضوء الشمس لا على دخان الانفجارات. لكن في غزة، حتى هذه الأحلام البسيطة تبدو بعيدة المنال، في ظل حرب تحرم الأطفال من طفولتهم، وتسرق من الأمهات القدرة على حماية صغارهن.
هذه الحكاية ليست عن أدهم وحده، بل عن جيل كامل من أطفال غزة، وُلدوا في زمن النار والحصار، ويحاولون النجاة في عالم فقد أبسط معاني الرحمة.






