يمثل التصعيد الإسرائيلي المستمر ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وخاصة استهدافهم أثناء انتظارهم للمساعدات الإنسانية، تصعيدًا خطيرًا في مسار الحرب التي تخطت يومها الـ650، حيث ارتفع عدد القتلى في استهداف جديد لمنتظري المساعدات جنوب خان يونس إلى 25 قتيلًا، في واحدة من أكثر الهجمات فتكًا في سلسلة اعتداءات طالت المدنيين في ظروف الجوع والحصار.
انتهاك فاضح لقواعد القانون الدولي
ما جرى في شارع الطينة جنوب خان يونس ليس حادثًا معزولًا، بل هو مشهد متكرر يعكس سياسة ممنهجة تعتمدها إسرائيل في محاربة الفلسطينيين ليس فقط بالسلاح، بل أيضًا من خلال التحكم بالمساعدات وتجويع السكان المحاصرين. مشاهد الانتظار الطويل في طوابير المساعدات التي تتحول إلى كمائن موت تكررت مرارًا، ما يؤكد أن المدنيين في غزة باتوا محاصرين بين نيران القصف وسيف الجوع، دون أي حماية إنسانية حقيقية.
ما يزيد من فداحة هذه الجريمة هو أن المستهدفين لم يكونوا في مواقع اشتباك أو أماكن عسكرية، بل كانوا يبحثون عن أبسط مقومات الحياة: كيس دقيق أو وجبة طعام. ومع ذلك، تم قصفهم، فيما تحاصر القوات الإسرائيلية آلاف المدنيين في نفس المنطقة، وفق ما أفادت به قناة “الأقصى”، في انتهاك فاضح لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تنص على ضرورة حماية المدنيين، وتوفير ممرات آمنة للمساعدات في أوقات النزاع.
منع تدفق المساعدات
الأمم المتحدة بدورها حذّرت، على لسان موظفين إنسانيين ومسؤولين في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، من أن الوضع في غزة بات يخرج عن السيطرة، وسط تصاعد الأعمال العدائية اليومية، وارتفاع أعداد الوفيات التي يمكن تجنبها، وتفاقم أزمات الوقود، والنزوح، والحرمان الجماعي. التحذير الأممي ليس جديدًا، لكنه يأتي هذه المرة في ظل واقع لم يعد بالإمكان وصفه إلا بكارثة إنسانية مركبة تهدد حياة أكثر من مليوني إنسان.
الأمر الأكثر خطورة في هذا السياق هو أن إسرائيل لا تكتفي بمنع تدفق المساعدات، بل تقوم بإصدار أوامر إضافية بالنزوح، كما حدث مؤخرًا في شمال غزة. وهي سياسة تؤدي عمليًا إلى مزيد من التفتيت الجغرافي، والضغط المعيشي، وتعطيل أي جهود حقيقية لإيصال المساعدات أو حتى تثبيت استقرار مؤقت. وفي الوقت الذي تُمنع فيه فرق الإغاثة من التحرك بحرية، تسجل الأمم المتحدة أنه من أصل 13 محاولة لتنسيق تحركات الإغاثة، تم تسهيل 7 فقط، وهو ما يعكس حجم العراقيل المفروضة على العمل الإنساني.
وفي قلب هذه الأزمة، تتزايد حالات سوء التغذية، بما في ذلك في أوساط الأطفال والبالغين الذين يصلون إلى المستشفيات في حالات حرجة، في وقت تفتقر فيه المستشفيات إلى الموارد والأدوية الأساسية. هذا المشهد لا يدل فقط على أزمة غذائية، بل على انهيار تام في البنية الصحية والاجتماعية، يتحمل الاحتلال المسؤولية الكبرى عنه نتيجة حصاره الطويل والعمليات العسكرية المتواصلة.
سلاح الجوع كأداة في الحرب
تكرار استهداف مراكز توزيع المساعدات، والاعتداءات على المدنيين في المناطق المحاصرة، والإجراءات التي تعيق وصول المساعدات، تؤكد أن إسرائيل تتعمد استخدام سلاح الجوع كأداة في الحرب، في مخالفة صريحة للقوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي تُحرّم تجويع السكان كوسيلة من وسائل القتال.
لكن الأهم من ذلك هو أن هذا المشهد يتكرر وسط عجز دولي فاضح، وتردد في اتخاذ إجراءات حاسمة تلزم إسرائيل باحترام القانون الدولي، وتفتح ممرات آمنة لإغاثة السكان. فبينما تُصدر بيانات الشجب وتُعقد جلسات النقاش، يبقى سكان غزة وحدهم في الميدان، بين ركام البيوت وأشلاء الجوعى، يقاتلون من أجل البقاء، في وقت يتجه فيه العالم نحو تطبيع مشهد الحرب والحرمان.
الوضع في غزة لم يعد مجرد قضية إنسانية طارئة، بل هو اختبار أخلاقي وسياسي للمجتمع الدولي بأسره. فكل يوم يمر دون تدخل حقيقي هو يوم إضافي يُمنح للاحتلال لمواصلة سياساته التدميرية، وسط صمت يزداد عمقًا كلما ارتفع عدد القتلى، وكلما تحوّل الخبز إلى خطر، والطوابير إلى قبور جماعية.





